الممرضه الغلبانه

كان صوت جزم جلدية سودا بضهر حديد بتخبط في أرضية المستشفى بانتظام مرعب، ووراها صوت صمت تام. كأن كل حركة في القسم وقفت دفعة واحدة.
لت المستشفى كأنها اتحولت من مكان طبي لساحة انتظار معتمة.
ليلى خرجت من بين السترايات وعينها معلقة على باب الطوارئ، وشافت تلات عربيات دفع رباعي سودا بدون نمر، وقفت قدام الباب بظبط كأنها في اقتحام عسكري.
نزل منهم رجالة ضخام بلبس سيمي فورمال أسود، وقفوا في صفين يعملوا ممر بشري، وفي وسطهم طلع راجل طويل، لابس بدلة سودا داكنة، ملامحه حادة زي السكينة، وشعره متسرح بصرامة، وعيونه فيها برود يخترق الحجر.
ده مكنش مجرد زائر.
ده كان مراد المداح.
الاسم اللي لو اتقال بصوت عالي في أي حتة في القاهرة، بيخلي الكبار نفسهم يبلعوا ريقهم. الراجل اللي بيدير شبكة تجارة وأملاك غامضة، واللي محدش يعرف عنه حاجة غير إن عيلته، وبالأخص جدته الحاجة سكينة، هما خط أحمر لا يمكن تجاوزه.
مراد مشى بخطوات بطيئة وواثقة لحد ما دخل الطوارئ، وكل الناس وسعت له وهي مرعوبة.
وصل قدام سرير رقم 4 السرير اللي فيه العامل اللي وقع من السقالة.
ليلى وقفت مسمّرة مكانها، قلبها بيدق بسرعة وهي مش فاهمة إيه العلاقة بين عامل بناء بسيط وبين أسد القاهرة اللي واقف قدامها ده!
لكن الصدمة الحقيقية ماكنتش في دخول مراد
العامل اللى كان نايم على الترولي وبيأن من الوجع، رفع راسه ببطء، بص لمراد، وبدل ما يخاف أو يتكلم، هز راسه بإشارة خفيفة ومعقدة.
مراد بص لليلى.
عيونه اللي كانت ملوحة بالجليد طول السكة، دابت شوية وهو بيبص لها. قرب منها خطوة لحد ما بقت شامة ريحة العطر الخفيف الممزوج ببرودة الليل، ونطق بصوت خشن وعميق
أنتِ ليلى منصور؟
ليلى بلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوت مهتز بس ثابت أيوة مين حضرتك؟ وإيه اللي بيحصل هنا؟
مراد مد إيده لجيب بدلتة، وطلع كتاب صغير بغلاف جلد قديم نفس الكتاب اللي وقع من الحاجة سكينة في الصيدلية من تلات أيام. فتحه على الصفحة الأولى، وحطه قدام عيون ليلى بهدوء.
كان جواه ورقة بخط إيد جدته، مكتوب فيها بخط مهتز بنت الأصول اللي جبرتني وأنا مكسورة عرف طريقها يا مراد، لأنها الوحيدة اللي مكنتش طامعة في حاجة.
مراد رفع عيونه لليلى وقال بنبرة هادئة وجدية قطعت نَفَس المكان كله العامل اللي قدامك ده هو أخويا الصغير اللي نزل يشتغل متخفي عشان يثبت لنفسه إنه يقدر يعتمد على نفسه. وأنتِ بال جنيه اللي دفعتيههم، دخلتي القصر من أوسع أوابه يا ممرضة.
سكت مراد ثانية، وكمل وهو بيطلع كارت أسود صغير مطلي بدهب خالص، مكتوب عليه رقم واحد بس، وحطه ببطء على كف إيدها المرتعشة
النهارده، ديون أخوكِ اتقضت، ودار الرعاية اللي قاعد فيها بقى تحت حمايتي الخاصة وبكرة الصبح، حسابك البنكي هيكون فيه رقم يخليكي تبطلي تشيلي هم أي مريض تاني في حياتك.
ليلى بصت للكارت في إيدها، وبعدين بصت لمراد اللي كان بيبصلها بنظرة غريبة ومحيرة نظرة مفيهاش غرور الغلابة، ولا تعالي الأقوياء، كأنها نظرة احترام حقيقي لشخص شاف الجوهر الحقيقي للدنيا.
قبل ما ليلى تلحق تستوعب الكارثة، أو النعمة، أو المتاعب الجديدة اللي هتدخل حياتها مراد أخد أخوه في عربية الإسعاف الخاصة بيه، وساب المستشفى كلها في حالة ذهول تام.
وليلى فضلت واقفة مكانها، والكارت في إيدها، وحياتها العادية اللي كانت ماشية بسِلكِة ديل اتقلب فووقاني تحتاجي في ثانية واحدة ومش عارفه إذا كانت دي بداية نجاتها، ولا أول خطوة في طريق أخطر راجل في مصر!

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *