ولد شوارع حافي
وقال
لسه في حاجة.
كريم قرب منه.
إيه هي؟
الولد قال بصوت واطي
لازم تفتشوا مخزن الشنط.
كريم عقد حواجبه.
ليه؟
الولد بصله في عينه وقال
علشان حد طلع على الطيارة قبلك.
كريم حس ببرودة جريت في جسمه.
فتح بقه علشان يتكلم…
لكن الولد سبقه.
وهمس
بنتك…
هي جوه بالفعل.
في اللحظة دي…
الدنيا كلها وقفت.
الأصوات اختفت.
والناس ثبتت مكانها.
حتى دقات قلب كريم حس إنها وقفت.
لأن المستحيل…
فجأة بقى ممكن.
الطيارة اللي كان فاكر إنها مستنياه علشان يرجع بيها…
مكنتش مستنياه هو.
كان في حد مستنيه جواها.
الكلمة نزلت على ودن كريم زي الصاعقة. بنته مريم… جوه الطيارة؟ ازاي وهي المفروض قاعدة في فصلها المدرسي دلوقتي؟ دماغك بقت تلف في حلقة مفرغة، والأفكار السودا بتخبط في بعضها.
بص للولد اللي كان بيلتقط أنفاسه بصعوبة، وعينيه نطت للطيارة الواسعة اللي متأمنة في أقصى ساحة المطار.
مريم؟! صوت كريم طلع مخنوق، مش مصدق، ومليان برعب أول مرة يحسه في حياته.
الولد هز راسه بعنف وقال بدموع تجمعت في عينيه
آه يا بيه… أنا كنت قاعد جنب سور المطار بدور على أي حاجة أكلها، وشفت عربية سودا وقفت بعيد، ونزل منها اتنين. فتحوا باب الطيارة الطوارئ ودخلوا.. وبعدها بشوية شفت بنت صغيرة بشعر مشدود لورا ومكتوب على شنطتها المدرسية اسم مريم شالوها وهي نايمة أو مغمى عليها ورמוها جوه مخزن الشنط.. وبعدين ركبوا القنبلة تحت كراسي المقصورة!
كريم ما استناش ثانية زيادة. جري بأقصى سرعة ممكنة
ناحية سلم الطيارة، والأمن كله اتحرك وراه.
هاتولي جهاز فتح الباب فوراً! صرخ كريم بصوت عالي كسر سكون المطار.
فريق الصيانة جرى ومعاه معدات الفتح. ثواني كانت بتمر وكأنها سنين. مهندس الأمن كان بيترعش وهو بيدخل الكود الاحتياطي لباب مخزن الشنط الخلفي، لأن النظام الإلكتروني كان مقفول بشفرة طوارئ تم العبث بيها من جوه.
كليك… صوت القفل الإلكتروني وهو بينفتح جه زي رعد في ودن كريم.
سحب الباب بقوة… والباب اتفتح.
الضلمة والدم المجمد
جوه مخزن الشنط، كان فيه ضلمة كاملة، وريحة خفيفة لبارود أو مواد كيميائية غريبة. كريم مد إيده وفتح كشاف تليفونه، وبص جوه…
اللحظة دي جمدت الدم في عروقه.
في ركن المخزن، وسط الشنط المرمية، كانت مريم قاعدة.. بس مش طبيعية. إيديها ورجليها مربوطين بحبل قوي، وبوقها متزمل بلزقة طبية، وعينيها الواسعة كانت مليانة خوف ودموع ناشفة.. وكانت قاعدة بالضبط فوق جهاز إلكتروني صغير بيصدر أزرق خفيف.. مؤقت قنبلة متوصل بنظام الارتفاع بتاع الطيارة!
المؤقت كان مكتوب عليه بخط أحمر ساطع
02 14
باقي دقيقتين وربع عشرة ثانية وتنفجر الطيارة بالكامل في الجو أول ما توصل لارتفاع ألف متر!
مريم! صرخ كريم بصوت شبه ميت، ورما نفسه جوه المخزن من غير أي حسابات.
المهندسون وقفوا على باب المخزن، واحد منهم صرخ بانهيار
يا فندم.. ابعد! دي قنبلة ضغط جوي.. لو حاولنا نفك الأسلاك غلط، أو لو الطيارة اتحركت سنتي والضغط اتغير.. هتنفجر فوراً! والأسلاك متوصلة بجهاز حساس للوزن تحت البنت!
كريم كان بيحاول يفك الحبال وهو بيبكي لأول مرة في حياته. صرخ فيهم حلوا القنبلة دي حالاً! أنا مستعد أدفع كل فلوسي.. خلصوا بنتي!
المهندس بلع ريقه وقال بصوت مرعوب
مفيش وقت للفك يا كريم بيه.. المؤقت مربوط بريموت كنترول خارجي.. يعني اللي زرعها مراقبنا دلوقتي وشايفنا!
فخ الحداد
في اللحظة دي، جرس التليفون المحمول في جيب كريم انضرب. رقم مجهول.
كريم رادد بسرعة وفتح الاسبيكر وهو بيحاول يفك اللزقة من على بوق بنته برعشة في إيديه
مين.. مين الحقير اللي بيعمل كده؟!
جاوب صوت هادي، بارد، ومألوف جداً، صوت كأنه جاي من كابوس قديم
أهلاً بيك يا كريم.. سيبت الماضي وراك ونسيتني؟ ولا مفكر إنك لما تسرق أملاكي زمان وتدبر لي قضية تدخلني السجن عشر سنين، هعرف أنسى؟
الحداد! صرخ كريم وعينيه حمرا من الغضب والدموع.
الحداد كمل بضحكة شريرة
بنتاً ببرائتها تمن أخطاءك القديمة.. قدامك اختيارين يا كريم يا إما تسيب بنتك جوه وتجري تنجو بنفسك وتشوفني وأنا بدمر كل امبراطوريتك.. يا إما تقعد معاها جوه الطيارة، وتستنى اللحظة اللي الطيارة هتطير فيها أوتوماتيكياً بعد دقيقة.. وتنفجروا أنتوا الاتنين سوا في السما.
الاتصال اتقفل.
المؤقت بقى عليه 00 45
خمسة وأربعين ثانية بس!
فريق الأمن كله انسحب للخلف خوفاً من الانفجار، وطلبوا عربيات الإسعاف، وبقا واقفين بعيد بيشاوروا لكريم عشان يهرب.
لكن كريم.. بصه ل بنته مريم اللي كانت بتعيط بصمت وتهز راسها ب أبويا.. ابعد عني..
كريم مسح دموعه، وبص للأجهزة، وبعدين ابتسم ابتسامة غريبة، ابتسامة واحد مابقاش عنده أي حاجة يخسرها في الدنيا دي.
النهاية المغلقة والملحمية
قرب من مريم، حضنها بقوة شديدة لدرجة إنها حست بدفء عمرها ما حسته قبل كده، وقال في ودنها بصوت ثابت وقوي
متخافيش يا حبيبتي.. أبوكي مش هيسيبك لوحدك أبداً.. زي ما دخلت معاكي الحياة، هدخل معاكي اللحظة دي.
فصل الأسلاك الخاصة بنظام الطوارئ بضربة قوية من مفك كان في جيبه، وضغط بوزنه كله فوق الجهاز الحساس اللي تحت مريم.. عشان يلغي استشعار الوزن المؤقت ويوجهه لجسمه هو لوحده!
بابا! بتعمل إيه؟! صرخات مريم تداخلت مع صوت بدء تشغيل محركات الطيارة الذاتية اللي الحداد كان مبرمجها تنطلق أوتوماتيك.
الطيارة بدأت تتحرك على الممر ببطء شديد، مهندسو الأمن برة كانوا بيجروا ويصرخوا بجنون.
الولد الحافي، ابو هدوم مقطعة، وقف بعيد على سور المطار، حط إيديه على عيونه، وسمع الصوت اللي هز أرجاء المكان…
بوووووم!
ضياء أصفر ضخم ملا السما فوق المطار، وطار شظايا الطيارة في كل حتة..
لكن.. في وسط النيران والدخان المتطاير، وقبل ما الممر ينعزل تماماً، ظهرت عربية إسعاف سريعة انطلقت ناحية الجزء الخلفي للطيارة اللي اتقطع بفعل الانفجار الموجه..
هل مات كريم؟ هل نجت مريم وحدها بمعجزة بعد ما أبوها ضحى بنفسه ونقل الوزن لنفسه في آخر جزء من الثانية؟ أم إن الحداد كان ليه خططة تانية خالص واللعبة لسه مبدلتش فصولها؟
الدموع في عيون الولد الحافي وهو باصص للسما.. كانت الإجابة الوحيدة اللي محدش قدر يفسرها.