حماتي اجبرتني انا وبناتى ننام جانب الغساله ج2 منى السيد

الفصل الثالث
الشمس بدأت تشرق وندت نور خفيف من شباك الصالة المترب. صوت العصافير بره كان هادي، بس جوايا كان فيه بركان بيغلي. كسري للشريحة ما كانش مجرد تصرف انفعالي، ده كان إعلان رسمي إن الصفحة القديمة اتقفلت للأبد، وإن كل الخيوط اللي كانت بتربطني بـ “ندى المستسلمة” اتقطعت.
بصيت على بناتي وهما نايمين على السرير القديم. تالا كانت ضامة إيديها الصغيرين لخشتها، وجنى ومك لافين نفسهم في الجواكت التقيلة. الشقة كانت تلج ورائحة التراب ماليان المكان، بس الغريب إن قلبي كان حاسس بدفا عجيب.. دفا الحرية.
قمت بالراحة عشان ما أصحيش البنات، وبدأت ألف في الشقة اللي سبتها من 11 سنة. الشقة صغيورة.. أوضتين وصالة ومطبخ وحمام. الحيطان مقشرة من الرطوبة، والشبابيك عليها طبقة تراب تقيلة، والمطبخ فاضي مفيش فيه حتى كباية مية نظيفة. بس دي كانت ساحتي، ملكي، المكان الوحيد اللي ما حدش يقدر يقولي فيه “أنا صاحب البيت وأنا اللي أقرر”.
جمعت شوية قماش قديم من الدولاب، وشمرت دراعاتي وبدأت أشتغل. مسحت التراب، كنست الأرض، وفتحت الشبابيك عشان هواء الصبح يدخل يطرد ريحة الخنقة والتخزين. كل حركة كنت بعملها كانت بتخليني أحس بإني بسترد جزء من نفسي اللي ضاع في بيت الحاجة فوزية.
على الساعة تسعة الصبح، تالا صحيت وهي بتدعك في عينيها.
“ماما.. أنا عطشانة.”
ابتسمت وطوّطت باستها: “صباح الخير يا قلب ماما. ثواني وهجيبلك أحلى مية وعشا.. قصدي فطار.”
ملك وجنى صحيوا هما كمان. ملك قعدت على السرير وبصت حواليها باستغراب، المكان غريب عليها، بس أول ما عينها جت في عيني، شافت الإصرار اللي فيهم، فابتسمت ابتسامة هادية وكأنها بتقولي: “أنا فاهمة يا ماما، ومكملة معاكي.”
قلت للبنات بضحكة قوية عشان أطمنهم: “يلا يا حلوين، النهاردة عندنا مغامرة كبيرة. هننزل نشتري فطار ونظف قصرنا الجديد!”
نزلنا الشارع الشعبية اللي تحت العمارة. الريحة كانت مختلفة.. ريحة الفول والطعمية الطازة، صوت البياعين، حركة الناس البسيطة. اشتريت فول وطعمية وجمعت شوية طلبات أساسية: شاي، سكر، جبنة، عيش، وشوية منظفات وملايات جديدة رخيصة من المحل اللي على أول الشارع.
رجعنا الشقة، أفطرنا مع بعض على الأرض. البنات كانوا مبسوطين برغم البساطة، جنى كانت بتضحك وتقول: “ماما، الطعمية دي طعمها أحلى من الأكل اللي بنأكله عند تيتة فوزية!”
ردت ملك بذكاء: “عشان بنأكلها وإحنا مرتاحين يا جنى.”
كلام ملك نزل على قلبي زي البلسم. البنات مش محتاجين سراير متنجدة ولا فيلا كبيرة.. هما محتاجين كرامة، محتاجين يحسوا إنهم غاليين.
بعد الفطار، مسكت الورقة والقلم وقعدت أحسب أموري.
المبلغ اللي معايا كله: ألفين وربعمية جنيه. شوية الدهب اللي حيلتي: غويشتين وخاتم كانوا بتوع أمي الله يرحمها.
المصاريف المطلوبة: إيجار الشقة دي ملكي والحمد لله، بس محتاجة مصاريف أكل وشرب، ومصاريف مدارس البنات اللي لازم تنقل لمكان قريب هنا عشان ما يضيعش عليهم الترم.
الرقم كان يخوف، والتحدي كبير.. بس أنا مش هضعف.
على الساعة واحدة الظهر، سمعت خبط على الباب. الخبط كان سريع ومرتبك.
مسكت إيد ملك وقلتلها: “خليكي جوه مع أخواتك وما تطلعيش.”
مشيت لحد الباب وفتحت بالراحة من غير ما أشيل السلسلة. شفت وش أخويا شريف. كان وشه أحمر وناهت، وباين عليه الجري.
“ندى! إنتي هنا؟ فتحي يا ندى بسرعة!”
فتحت السلسلة وطلعت. شريف دخل وهو بيدور بعينيه في الشقة، أول ما شافني مسكني من كتفي وقال بصدمة:
“إيه اللي حصل يا ندى؟! أحمد قلب الدنيا عليكي! جاني الورشة زي المجنون، وكان هيتخانق معايا وفاكرني مخبيكي! موبايلك مقفول ليه؟ وأمه بتتصل بمراتي وتقول كلام يطير العقل!”
بصيت لشريف ببرود وقلتله:
“تعال اقعد يا شريف، ووطي صوتك عشان البنات جوه.”
“أقعد إيه وزفت إيه!” شريف قالها بعصبية وهو بيمسح عرقه. “أحمد بيقول إنك لمتي هدومك ومشيتي في نص الليل وأخدتي البنات! أمه بتقول إنك اتجننتي عشان مفيش مكان للضيوف! فهميني فيه إيه؟ إزاي تسيب بيتك وتيجي تقعدي في الكركبة دي؟”
قعدت على حتة الكنبة القديمة، وبصيت لأخويا بمنتهى الثبات:
“شريف.. إنت عارف اختك. أنا استحملت 11 سنة عشان أحافظ على بيتي. استحملت قلة القيمة، والإهانات، وكلام حماتي اللي زي السم عن إني ما بجيبش ذكور. كل ده كنت ببلعه وأقول عشان أحمد.. عشان المركب تمشي.”
شريف سكت وش وشه اتغير لما شاف دموعي اللي حنستها بالعافية.
كملت وصوتي بدأ يترعش بس بقوة:
“عارف البارحة حصل إيه؟ حماتي طردتني أنا وبناتك التلاتة من الأوضة، ونيمتنا على أرضية أوضة الغسالة.. جنب السيراميك التلج والخرطوم! ولما بنتك جنى سألت أبوها وهي بتبكي: ‘هو إحنا مالناش لازمة يا بابا؟’.. عارف أحمد رد بإيه؟”
شريف بصلي بزهول: “قال إيه؟”
“ما نطقش يا شريف! وطي وشّه في الأرض، وساب أمه تقول عليا وعلى بناته إننا مالناش قيمة، ومشي ورا أمه عشان يكمل عشاه مع الضيوف وقفل الباب علينا في أوضة الغسالة!”
شريف وشه اتغير 180 درجة. عروق رقبته ضربت، وإيديه اتجمعت في شكل قبضة قوية.
“الـ… ينيم بناتي أنا جنب الغسالة؟! أحمد يعمل كده؟!”
“أحمد عمل أكتر من كده يا شريف.. أحمد قتلني وقتل بناته بسكوته. أنا مش راجعة البيت ده تاني لو على رقبتي.”
شريف قعد جنبي ومسك إيدي، والعصبية اللي كانت فيه تحولت لوجع وأخوة حقيقية:
“حقك عليا يا ندى.. حقك عليا يا أختي إني ما كنتش حاسس بيكي. ورب الكعبة ما هترجعي له ولا هتدخلي بيته تاني إلا وأنت مرفوعة الراس! الشقة دي شقتك، وأنا معاكي وفي ضهرك بكل اللي أقدر عليه.”
في اللحظة دي، حسيت إن عندي سند بجد.
“بس يا ندى..” شريف قالها وهو بيفكر، “أحمد مش هيسيبك. هو اتجنن لما لقى الورقة ولقاكي كاسرة الخط. ده عمال يدور في شوارع منطقتنا، وأمه عمالة تزن في ودنه وتخوفه إنك تعملي حاجة في البنات. هو عارف الشقة دي؟”
قلتله: “أحمد جه هنا مرتين في أول جوازنا.. غالباً مش فاكر العنوان بالظبط في الشوارع الضيقة دي، بس أكيد هيوصل.”
“خليه يوصل!” شريف قالها وهو بيقف بشرارة: “خليه يجي عشان أعرفه إزاي يسترجل على حريمه وبناته!”
قلتله بسرعة: “لا يا شريف.. مش عاوزين مشاكل وضرب. أنا مش هربانة عشان أعمل فضايح، أنا مشيت عشان أبدأ حياة نظيفة لبناتي. أنا محتاجة اشتغل، ومحتاجة انقل البنات للمدرسة اللي هنا.”
شريف بصلي باستغراب: “تشتغلي إيه يا ندى؟ إنتي بقالك 11 سنة ما اشتغلتيش، وشهادتك في المكتبات دي مين هيشغلك بيها دلوقتي؟”
ابتسمت بثقة لأول مرة من سنين: “شهادتي موجودة يا شريف، وأنا طول السنين دي كنت بقرا وأتعلم، ومش هعدم الشغل. أنا ندى اللي طلعت الأولى على دفعتها، مش ندى الخدامة اللي كانت في بيت الحاجة فوزية.”
شريف اتنهد وقال: “أنا معاكي.. الدهب اللي معاكي ده نبيعه النهاردة ونجيب بيه التجهيزات الأساسية للشقة، وأنا هدفعلك مصاريف نقل البنات، ومحدش ليه حاجة عندك.”
النهار بدأ ينصف، والشقة بدأت تنظف وتتغير حتة حتة. شريف نزل اشترى لنا سريرين رخاص ومراتب سفنج، وشوية أدوات مطبخ أساسية. البنات كانوا طايرين من الفرحة وهما بيساعدونا، وكانوا حاسين إنهم في مخيم صيفي مش في أزمة.
على الساعة ستة المغرب، الجو بدأ يظلم. كنا قاعدين بنشرب شاي في الصالة بعد ما ركبنا لمبات جديدة ونظفنا المكان.
وفجأة.. سمعنا خبط جامد على الباب الرئيسي للعمارة تحت!
صوت زعاق في الشارع.. صوت أنا حافظاه كويس، صوت أحمد وهو بيصرخ باسمي:
“ندى! اطلعي يا ندى! افتحي يا ندى أنا عارف إنك هنا!”
وصوت تاني معاه.. صوت الحاجة فوزية وهي بتزعق في الشارع وتقول بصوت عالي:
“انزلي يا خطافة الرجالة! انزلي يا اللي خدتي البنات وهربتي في نص الليل زي الحرامية!”
المنطقة الشعبية كلها بدأت تتفرج من الشبابيك.
جنى وتالا استخبوا ورايا وهما مرعوبين. ملك بصتلي وقالت بصوت ثابت: “ماما.. مش هترجعيلهم صح؟”
شريف وقف بغضب ومسك عود خشبي كان جنب الباب وقال: “أنا نازل أربيهم في الشارع!”
مسكت إيد شريف وقلتله بصرامة:
“استنى يا شريف.. ما تنزلش. سيبهم يزعقوا لما يشبعوا.”
مشيت لحد شباك الصالة اللي بيبص على الشارع. فتحت الخشب الخفيف وبصيت تحت.
أحمد كان واقف في نص الشارع، بدلته مبهدلة، شعره نكش، وعينيه أحمر من كتر التدوير والخوف. وجنبه أمه الحاجة فوزية، لابسة عبايتها الشياكة، وبتبص للعمارة القديمة بقرف، وعمالة تشتم وتصوّت عشان تلم الناس علينا.
أول ما أحمد شافني فتحت الشباك، زعق بعلو صوته وهو بيرفع إيده:
“ندى! انزلي يا ندى! إيه الجنان ده؟ سايبة البيت وجاية تقعدي في المكان ده؟ تعالي معايا فوراً!”
والحاجة فوزية صرخت:
“انزلي يا فاجرة! أخدتي بناتي وابني ووخدانا على مشامك؟ انزلي سلمي البنات لأبوهم وارتصي في بيتك!”
الناس في الشارع بدأوا يتجمعوا ويبصوا.
أنا ما اترعبتش، ما بكيتش، وما استخبيتش.
وقفت في الشباك بثبات، وبصيت لأحمد في عينيه من فوق.. بصة كبرت فيها ألف سنة، وقاطعة كل طريق للرجوع.
قلت بصوت عالي وواضح، سمع الشارع كله:
“أنا ما هربتش يا أحمد.. أنا خرجت بكرامتي وبناتي معايا! والبيت اللي نيم بناتي جنب الغسالة وقالي إن مالهومش لازمة.. حُرم عليا وعلى بناتي ليوم الدين!”
أحمد وشه اتصدم، والحاجة فوزية وقفت تنح ومكتمت كلامها، والشارع كله سكت ينتظر اللي جاي…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *