جوزي بيستحمل تعبي انما تعب امه لا
حاجة، وإن الست لازم تتحمل وتصبر، وإن ده علامة طيبتها. صدقت كلامها، وكنت كل مرة أقارن بينك وبينها، وأقول نفسي ماما تعبت كتير فينا، فحقها أكون جنبها، وأنتِ هتتحملي عشان خاطري. نسيت إنك إنسانة ليكي حق، وإنك حامل في ابني، وإنك أولى الناس بالخوف عليها.
رفعت راسي وبصيتله
وحقها عليك يا محمد ما أنكرهش، ولا أحد يقدر ينكر تعبها. لكن حقك عليا أنا كمان ما أنكرتهوش، وحقي عليك أنت اللي نسيتو. أنا مش عايزة أكون في منافسة مع أمه، ولا عايزة أخذ مكانها في قلبك. كل اللي كنت عايزاه بس إنك تحس بيا. إنك لما أشكي لك وجعي ما تردش عليا استحملي. إنك تعرف إن وجعي زي وجعها، وإن روحي زي روحها غالية. ده كان كل طلبتي، وكنت بستناه منك سنين ومش جابته.
فضلنا ساكتين فترة طويلة، بس صوت التليفون كان بيرن من وقت للتاني من جيبه، وكل مرة كان بيتجاهله ومش بيشوفه. بعد شوية قال بصوت خافت
هنروح المستشفى الحين تعالي نروح نطمن عليكي وعلى إبننا. ربنا يسترها وما حصلش حاجة.
هزيت راسي ببطء
الدكتور قال لازم متابعة وعلاج وممكن نحتاج نبقى يومين عشان يتطمنوا. بس مش عايزة أروح معاك خليك مع ماما، هي محتاجالك أكتر مني زي ما كنت دايماً تقول. أنا هاخد تاكسي وأروح لوحدي، وهكلم أختي تيجي معايا.
قام بسرعة ومسك كتفي بيديه وهو بيقول
لا والله ما تروحي لوحدك أبداً. أنا غلطان، وهدفع تمن غلطتي مهما كان. ماما عندها حد يخدمها، وأنتِ وزي ما قال الدكتور كنتي محتاجة لي من زمان، ومش هسيبك تاني أبداً.
طلعنا من الشقة وهو ماشي جنبي، وكل شوية يبصلي كأنه خايف أختفي من قدامه. في الطريق للمستشفى حكالي حاجات ما كنتش أعرفها، قال
أمه من يوم ما مات أبويا وهي شايلة همي وحدها، كانت كل ما تمرض تقولي لي شوف يا محمد أنا تعبانة ومش معايا حد غيرك، فكنت أحس إنها ضعيفة ومحتاجاني أكتر من أي حاجة في الدنيا. وكنت فاكر إنك قوية، إنك ست بجد وتقدري تتحمل أي حاجة، فكنت أرتاح لما أقولك استحملي عشان أروح أكون جنبها. ما عرفتش إن القوة دي كانت مجرد قناع لبسه عشان ما أزعجك، وإنك كنت بتتكسر من جوايا كل يوم.
وصلنا المستشفى، ودخلنا على الدكتور اللي كان متوقعنا. الدكتور عمل لي كشف تاني واطمن على حالتي، وقال إن الحمد لله الجنين بخير لكن لازم راحة تامة وعلاج وممنوع أي مجهود أو انفعال. سمع محمد الكلام ده وكل كلمة كانت بتدخل في قلبه. الدكتور كمان كلمه بصراحة
يا سيدي، زوجتك كانت في وضع حرج جداً، وتأخير الفحص والعلاج كان ممكن يؤدي لخسارتها وخسارة الجنين معاً. حقك على أمك ما يمنعك من حق زوجتك وابنك. الاتنين أهل لك، والاتنين ليهم حقوق، ومش لازم تفضل واحد على حساب التاني. لما تهمل حق حد منهم، بتكون غلطان في حق الاثنين.
محمد كان بيسمع وراسه محني للأسفل، وما ردش على الدكتور ولا كلمة. بعد ما خلصنا الكلام، خرجنا للحديقة بتاعة المستشفى نقعد شوية. وقتها لقى التليفون في إيده واتصل بأمه. سمعته بيقول لها
أيوه يا ماما آسف لو ما رديتش عليكي، كنت مشغول شوية. الحمد لله إيه أخبارك؟ أيوه طمنيني، طيب. أنا آسف بس النهاردة مش هقدر أجيلك، أنا مع سلوى في المستشفى، كانت تعبانة قوي والحمد لله اتطمنا عليها. أيوه يا ماما هي كمان تعبانة ومحتاجاني جنبها. حاضر يا ماما هجيلك بكرة أطمن عليكي، بس النهاردة خليني معاها. شكراً يا ماما، تصبحي على خير.
قفل التليفون وبصلي وقال
أول مرة أتكلم معاها كده أول مرة أقولها إنك محتاجني أكتر منها في الوقت ده. كنت دايماً أخاف أزعلها، بس النهاردة عرفت إن لو حصللك حاجة كنت هزعل نفسي وازعلها أكتر من ده.
الأيام اللي جت كانت مختلفة تماماً. محمد غير من طبعه كتير. كان بيصحى قبلي عشان يعمل لي الفطار ويعطيني الدواء في ميعاده، بيروح الشغل ويرجع بسرعة عشان يجيلي، ما كانش يسبني أرفع إيدي ولا حاجة، وكل شوية يسألني حاسة بإيه ومحتاجة إيه. وكل ما كانت أمه تتصل بيه، كان يرد عليها بطريقة طيبة ويقولها حالتي وإنني محتاج راحة، وبيحدد لها وقت يزورها فيه أو تيجي هي لنا، وبيكون متوازن بيننا الاتنين.
حماتي كانت في الأول مستغربة ومش عاجبها الحال، كانت بتقول له بقالك كتير ما جيتش تجلس معايا، مش عايزاني أروح أزورك ولا إيه؟ فكان يرد عليها بكل هدوء والله يا ماما أنا جايك كل ما أقدر، بس سلوى تعبانة ومش عايز أسيبها لوحدها، ولما تيجي تزورينا هتكوني أول واحدة تعرف. ولما كانت تيجي تزورنا، كانت تشوف بعينها إني مش قادرة أتحرك كتير، وإن الحالة حقاً صعبة، فبدأت تفهم شوية شوية، وحتى كانت بتجيبلي أكلات تعملها إيديها وتقولي لي كل يا بنتي عشان خاطرك وعشان خاطر اللي في بطنك، ربنا يقومك بالسلامة.
أنا كمان حاولت أغير من نفسي شوية، ما عدتش أستحمل وأكتم جوايا زي الأول. كنت كل ما أحس بتعب أو زعل أقوله بكل هدوء من غير صوت عالي ولا شكوى، قلتله أنا حاسة بوجع
في ظهري، ممكن تساعدني؟ أو أنا زعلانة شوية عشان عملت كده، ممكن نتفاهم؟ واكتشفت إنه كان مستعد يسمعني ويساعدني من غير ما أقول له كلمة استحملي.
مرت الشهور ببطء، وجاء وقت الولادة. محمد كان جنبي أول بأول، ما فارقني خطوة واحدة، كان خايف ومتوتر بس كان طمني ويدعلي. لما سمعنا صوت الطفل، دمع عينيه وحضني وقال شكراً يا سلوى شكراً عشان استحملتي كل ده عشانا. ربنا يخليك ليا ولابني.
بعد كده مرت سنين، وابننا كبر وبقى عنده خمس سنين. محمد بقى أب وابن وزوج بمعنى الكلمة. كان بيجي لأمه كل يوم تقريباً، ويقضي معاها وقت طويل، ويخدمها ويرضيها، بس في نفس الوقت كان عارف حقوقي وحقوق أولاده، ومش بيفضل حد على حساب حد. مرة كنت جالسة معاه في السطح بعد ما نمى الطفل، قلتله بضحك
فاكر أول سنين جوازنا وكنت كل ما أشكي لك تقولي لي استحملي؟
ضحك هو كمان بس بندم، وقال
فاكر والله، وكل مرة أتذكر الكلام ده بحس إني ضربت نفسي. كنت جاهل يا سلوى، ومش عارف معنى المسؤولية تجاه كل اللي بحبهم. تعبتك معايا كتير، وسامحيني عشان كل مرة قلتلك استحملي وكنت لازم أقولك تعالي قولي لي إيه اللي تعبانك عشان نساعد بعض.
مسكت إيده وقلتله
الحمد لله على كل حال. اللي فات مات، واللي جاي أحسن. أهم حاجة إنك فهمت، وإننا بقينا نفهم بعض. أنا مش نادمة إنني استحملت، لأني استحملت عشان حب، وعشان أثق فيك، وعشان نعيش حياة سوية. وكل اللي صار ده علمنا كتير، وخلانا نعرف قيمة بعض أكتر.
سكتنا شوية ونحن ننظر للنجوم، وحسيت بالسكينة اللي كنت بفتقدها سنين. عرفت إن الصبر مش معناه إننا نكتم ونستحمل ونقول لأحد حاجة، الصبر الحقيقي إننا نصبر ونحاول نصلح ونفهم ونتكلم. وعرفت إن الحب مش معناه إننا ننسى أنفسنا ونستحمل كل شيء بلا حدود، الحب معناه إننا نكون جنب بعض، نشارك بعض التعب والفرح، وما نطلبش من بعض شيء اسمه استحملي إلا لما نكون مستعدين نحمل معاهم نصيبهم ونزيد عليه.
وفي يوم من الأيام سمعته بيقول لابننا الصغير وهو بيلعب معاه
يا حبيبي، لما تكبر وتجوز، وتكون عندك أم وحبيبة، تذكر إن الاتنين غاليين، والاتنين ليهم حقوق، ومش تفضل واحد على حساب التاني. ومش تقول لحد فيهم كلمة استحملي، لأنك لازم تكون أول واحد يحس بوجعهم ويقف جنبهم.
وقتها عرفت إن كل اللي مر بينا كان له فايدة، وإن الألم ده بيجي في النهاية بحكمة وخير. الحمد لله اللي صبرني لحد ما رد لي حقي، ورد لقلبه اللي كان غافل، وعلمنا معنى الحب والبر والعدل صح.