اخدت صحبتي

بيحاولوا يعملوا لها صدمات كهربائية.
دخلت ممر التعقيم وأنا حاسي كأن الزمن وقف.
كل فلوسي، نفوذي، وقوتي ما كانوش قادرين يشتروا دقيقة زيادة في عمر ندى. الإنسان لما بيوصل لآخر نقطة في الصدمة، بيبطل يخاف. افتكرت طلاقنا من تمن شهور… ندى وقتها قالتلي جملة واحدة وهي ماشية وسابت الدبلة على الترابيزة إنت بتبني إمبراطورية من طوب مسروق من راحة بالك، ومش هخلي ابني يتربى في وسط الجحيم ده.
طلعت فكرت إنها كانت تقصد طلاقنا، بس مكنتش أعرف إنها كانت خايفة على ابننا من أعدائي اللي كانوا بيطاردوني في كل مكان. هي خبت الحمل كامل عشان تحميه، وعاشت تمن شهور لوحدها بتصارع الفقر والمرض والموت، لحد ما قلبها تعب من كتر الشيل والضغط النفسي.
الضغط بيرتفع شوية! دكتور، نبض القلب رجع ضعيف!
صوت الممرضة من جوة غرفة العمليات جابني من أفكاري.
وقفت قدام زجاج غرفة العمليات بصيت لقيتها نايمة، الوش الأبيض العاجز اللي قلبي بيعشقه رغم كل الجفاء اللي بينا.
وفي الناحية التانية من الممر، دخلت أوضة الحضّانات.
الممرضة فتحت لي باب الحضانة المعقمة. دخلت ببطء كأن رجلي متثبتة في الأرض. بصيت جوة الصندوق الزجاجي الصغير…
طفل صغير جداً، جلده أحمر وناعم، وبتنفس بصعوبة وبأجهزة صغيرة متركبة على صدره الصغير. لكن أول ما قربت، فتح عينيه البطء شديد…
عيون نفس العيون. عيوني أنا.
حطيت إيدي على الزجاج من برا، ودمعة سخنة نزلت على خد لأول مرة تحس بالضعف الحقيقي. حسيت إن الدنيا كلها تساوت قدام الصرخة الصغيرة اللي طلعها الطفل وهو بيقبض بإيده الصغيرة في الهوا كأنه بيدور على أمان مش لاقيه.
مرت ست ساعات كأنهم ست سنين.
الساعة كانت بقت خمسة الصبح. الشمس بدأت تطلع وتكسر سواد الليل فوق سماء القاهرة.
باب العمليات اتفتح، وخرج الدكتور وتعب الدنيا كله مرسوم على جبهته. حسام مساعدي كان واقف ورايا متمسك بالأمل.
بصيت له وقلت بصوت ناشف
طمني؟
الدكتور تنفس بعمق وقال بابتسامة متعبة
عملنا اللي ما يتصدقش. وقفنا النزيف في اللحظة الأخيرة، وعملنا نقل دم فوري. قلبها استجاب للمعجزة… ندى عايشة، والطفل كمان مستقر في الحضّانة.
نزلت على ركبي قدام الحائط من كتر الإرهاق والتفريغ العصبي. حسام جه سحبني وقومني بهدوء.
دخلت أوضة الإفاقة، لقيت ندى نايمة، لكن أنفاسها منتظمة، وخدودها رجع لها لونها الطبيعي شوية.
قعدت جنب السرير على الكرسي، ومسكت إيديها الباردة وبستها، وهمست جنب ودها بصوت مليان دموع
حمد لله على سلامتك يا ندى… أسف على كل دقة خوف عشتيها بسببي. بس أقسم بالله، من اللحظة دي، لا أنا هسيبك، ولا هسمح لمخلوق يقرب من ابني.. إحنا تلاتة مع بعض، للآخر.
فتحت ندى عينيها ببطء شديد، بصتلي نظرة طويلة، نزلت دمعة من عينها، وابتسمت ابتسامة متعبة كأنها بترمي تمن شهور من العذاب ورا ظهرها، وقالت بصوت همس ضعيف
اتأخرت أوي يا مراد… بس حمد لله على السلامة يا بابا.
بصيت من شفايف الأوضة على شروق الشمس اللي بينور المستشفى، حسيت ولأول مرة في حياتي إني مش بس ملكت الدنيا. .. أنا رجعت أعيش من جديد.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *