كفايه طيبه ج١ منال علي

البقيه هنا ⬇️
“أمـي عـزمت 75 واحـد من العيـلة عـشان عـيد ميـلادها.. وهـيقعدوا عنـدنا هنا في الـبيت شـهر كامـل.”

أحمد قالها ببرود تام وأنا بغرف الرز بالشعرية وصينية البطاطس في المطبخ، وكأنه بيقول لي إنه اشترى عيش بلدي وهو جاي، مش إنه لسه واهب بيتي، وفلوسي، وحياتي كلها لعيلته من غير ما ياخد رأيي حتى! بقلم منــال عــلي
إيدي وقفت بالمعلقة في الهوا فوق الأطباق.
— “نعم؟! بتقول إيه؟”بقلم منــال عــلي
هو حتى مابصش في وشي ولا لاحظ ملامحي اللي اتخضت. كان متحمس جداً، وشبه فخور بنفسه. كانت على وشه نفس ضحكة العيل الصغير اللي كانت زمان بتعجبني وبتخليني أحس بحنيته، بس الليلة دي الضحكة دي رعبتني، لأنها كانت ضحكة راجل أخد قراره خلاص ومش فارق معاه أي حد تاني.بقلم منــال عــلي
— “أمي هتكمل 70 سنة في شهر مارس اللي جاي،” كمل كلامه وهو بيفرك إيده: “وعايزة تعمل حاجة كبيرة تليق بيها.. إنتي عارفة ياما ضحت علشانا، وتستاهل الصراحة.”
علشانا.بقلم منــال عــلي
أنا اسمي نهى. كان عندي 38 سنة لما جوزي قرر فجأة إن بيتنا اللي في الشيخ زايد هيتحول بقدرة قادر للوكاندة، وقاعة أفراح، ومطعم عائلي، وحضانة أطفال، ومطبخ مركزي، وملجأ مجاني لـ 75 فرد من قرايبه لمدة 30 يوم كاملين.. وكل ده من غير ما يكلّف خاطره ويسألني. بقلم منــال عــلي
البيت كان في كومباوند هادي وراقي في الشيخ زايد. 4 أوض نوم، جنينة متوسطة، مطبخ واسع، وتراس جميل أنا اللي كنت منسقاه وحاطة فيه شجر جهنمية وإضاءة دافية تريح الأعصاب. البيت ماكانش قصر، بس كان حلم حياتي اللي حققته بعد سنين طفح دم وشغل كمديرة مشاريع في شركة تكنولوجيا مالية (FinTech) كبيرة. ياما كنت بطلع من اجتماعات الساعة 10 بالليل، وياما كنت بنام 4 ساعات بس في اليوم، وأوقات كنت باكل في العربية وأنا بخلص مكالمات الشغل.بقلم منــال عــلي
بس في الآخر وصلت وحققت حلمي.
مقدم البيت ده أنا اللي دفعته بالكامل من شقايا: 3 مليون و600 ألف جنيه حوشتهم قرش على قرش على مدار 9 سنين. أحمد، جوزي، ساهم بـ 800 ألف جنيه بس، ووقتها الرقم ده كان بالنسبة لي تمام ومش فارق معايا، لأني كنت مؤمنة بالحب والجواز وإن “اللي بيننا واحد” ومفيش فرق بين فلوسي وفلوسه.
يا ريتني ما كنت بالهبل ده!بقلم منــال عــلي
أقساط التمويل العقاري كانت بتتسحب من حسابي البنكي كل شهر. مصاريف الصيانة والكومباوند كمان عليا. أغلب التوضيبات، العفش، تصليح السطح، السخان الشمسي، الستائر، نظام الأمان.. كل ده كان مدفوع من جيب نهى.
أحمد كان بيساعد، مش هكذب. كان بيدفع الفواتير، الاشتراك بتاع النت، وساعات طلبات السوبرماركت. بس العواميد اللي شايلة البيت ده وحياتنا كلها.. كانت على كتافي أنا.
ورغم كل ده، عيلته كلها كانت بتتكلم وكأنه هو اللي أنقذني وانتشلني من الضياع!بقلم منــال عــلي
حماتي، الحجة كريمة، كانت دايماً تقول لي بنبرة فيها سم في عسل:
— “كتر خير أحمد يا بنتي إنه وفر لك الاستقرار وعملك بيت.. الستات اللي بيشتغلوا زيك دول دايماً بينسوا إزاي يفتحوا بيت ويعملوا عيلة.”
كنت ببتسم وأسكت.بقلم منــال عــلي
لأن الست في الأول بتبتسم عشان المركب تمشي وماتعملش مشاكل.
وبعدين بتبتسم عشان مابقاش فيها حيل تتخانق.
وفي الآخر بتبتسم لأنها نسيت أصلاً وشها كان بيبقى عامل إزاي قبل ما تتعلم تستحمل وتكتم في نفسها.
أنا عرفت أحمد في إسكندرية، في فرح واحدة صاحبتي. كان شخص جذاب ولطيف جداً. مش غني ولا واصل، بس دمه خفيف، بيهتم بالتفاصيل، وبيعرف يخليكي تحسي إنك الست الوحيدة اللي في المكان. حكى لي إن أبوه سابهم وهم عيال صغيرة، وإن أمه شالت المرار عشان تربي 3 عيال من بيع الأكل وتفصيل لبس المدارس للمحلات.
قال لي في تاني مقابلة بيننا وعينيه مدمعة:بقلم منــال عــلي
— “أمي دي ست بطلة.. أنا مديون لها بحياتي كلها.”
الكلام ده لمس قلبي وخلاني أحترمه جداً. قولت لنفسي: الراجل اللي بيعشق أمه وبيصونها كدة، أكيد هيعرف يحب مراته ويصونها.
ماكنتش أعرف إن فيه رجالة مابتكونش بتحب أمهاتها بجد.. هي بس بتطيعهم طاعة عمياء، مش حب، بل خوف وعجز لأنهم كبروا من غير ما يعرفوا ينفصلوا عن عبايتها.
اتجوزنا بعد سنتين.بقلم منــال عــلي
الفرح كان بسيط وجميل في السخنة، حضره حوالي 80 فرد من القريبين بس، وكان فيه زفة وعشا راقي. الحجة كريمة وقفت وخطبت في المعازيم 12 دقيقة كاملة. اتكلمت عن أحمد، طفولته، تضحياتها معاه، وإزاي “الراجل الأصيل عمره ما ينسى مين اللي عمله راجل”.بقلم منــال عــلي
أما أنا، فجابت سيرتي في آخر جملة وبسرعة:
— “ونهى.. منورة عيلتنا وأهلاً بيكي وسطنا.”
ماقالتش “منورة العيلة”.
قالت “عيلتنا”.. كأنها بتملكني أو كأني دخلت بيت هي معاها مفاتيح كل أوضه وبتحدد مين يدخل ومين يخرج.
في السنين الأولى، الموضوع ماكانش واضح أوي. كنا بنشتغل كتير، بنسافر، بنطبخ سوا يوم الجمعة، وبنجيب زرع للبيت وننسى نسقيه فيموت ونضحك. كنت بجد فاكرة إننا فريق واحد ضهر بعض.بقلم منــال عــلي
بس من أول ما أحمد اتسرح من شركته القديمة وحصل تقليص عمالة، كل حاجة بدأت تتغير.
مرتبه قل جداً في الشغل الجديد.
وأنا ترقيت ومرتبي زاد وضاعف.
وهنا بدأت تظهر فجوة بيملاها الصمت والغيرة المكتومة.
بدأت مكالماته مع أمه تطول بالساعات. ولما أسأله، يقول لي:
— “حاجات تخص العيلة يا نهى.”بقلم منــال عــلي
“حاجات تخص العيلة” دي كانت الحجة كريمة وهي بتتدخل في مصاريفنا وبتقول رأيها في كل قرش بنصرفه.
“حاجات تخص العيلة” كانت الحجة كريمة وهي بتسأل: “هي نهى عاملة أوضة مكتب في البيت ليه وبتشتغل منها طالما مخلفتش لسه ومفيش عيال يضايقوها؟”
“حاجات تخص العيلة” كانت الحجة كريمة وهي بتقول إن البيت الواسع ده حرام ومتبهدل على فردين بس.
و”حاجات تخص العيلة” كانت أحمد وهو واقف ساكت تماماً وأمه واقفة في مطبخي بتعيد ترتيب المطبخ والعلب على ذوقها وتعدل عليا!بقلم منــال عــلي
ولما أشتكي، كان رده الجاهز دايماً:
— “أمي نيتها كويسة وعايزة تساعدنا بس.”
تساعدنا.
كلمة تانية لطيفة بنغطي بيها على قلة الذوق واختراق الخصوصية.
الليلة اللي قالي فيها على الحفلة، حاولت أتحكم في أعصابي على قد ما أقدر:
— “أحمد، 75 بني آدم مستحيل يستوعبهم المكان هنا!”
— “مش كلهم هيناموا جوة الأوض يا نهى. فيه شباب هيجيبوا مراتب كشافة ويناموا في الريسبشن وفي الجنينة، والكل هيظبط مع بعضه ورديات.”بقلم منــال عــلي
حسيت كأن فيه حبل بيخنق صدري.
— “ورديات؟! هما جايين يشتغلوا في فابريكا؟!”
— “يا ستي أمي خلاص رتبت كل حاجة وظبطت الأوض.”
— “أمك رتبت وظبطت أوض بيتي أنا؟!”
كشر ووشه اتقلب:
— “بيتنا يا نهى.. بيتنا.”بقلم منــال عــلي
في اللحظة دي كان المفروض ألم حاجتي وأمشي.. بس لسه، كان فيه جزء جوايا بيحاول يكون عاقل ومنطقي لأخر نفس:
— “وطب ومين اللي هيدفع تمن الأكل والشرب؟ استهلاك المية والكهرباء والغاز؟ المنظفات؟ الغسيل؟ ترويق الحمامات؟ مين اللي هيطبخ للجيش ده كله؟”
أحمد ضحك باستهزاء كأني ببالغ:بقلم منــال عــلي
— “يا بنتي إنتي دايماً مكبرة المواضيع وعاملة دراما! دول أهلي.. عيلتي!”
بصيت في عينيه وسألته بوضوح:بقلم منــال عــلي
— “عيلتك إنت مش عيلتي أنا.”
— “ما عيلتي هي عيلتك يا نهى.. والكل واحد.”
— “عيلتك مش مسؤوليتي ولا ذنبي لمجرد إنك مابتجيدش لغة الـ (لا) ليهم!”
الضحكة اختفت تماماً من وشي ومن وشه، وقال بنبرة تهديد:
— “نهى.. اتكلمي عن أمي بأدب.”بقلم منــال عــلي
— “أنا مابجيبش سيرتها.. أنا بتكلم عنك إنت!”
قام وقف وساب الأكل:بقلم منــال عــلي
— “أنا خلاص اتفقت معاهم وقولتلهم تمام والكل جاي.”
الجملة نزلت عليا زي المية الساقعة.
ماقاليش: “بفكر”.
ماقاليش: “بنرتب ونشوف الميزانية”.
ماقاليش: “إيه رأيك؟”بقلم منــال عــلي
هو قالهم تمام وخلاص. دوري أنا في البيت ده ماكانش الشراكة.. دوري كان السمع والطاعة وبس.
ماعرفتش أنام الليلة دي. كنت باصة للسقف وأحمد نايم جنبي بيشخر بمنتهى راحة البال، وعقلي عمال يحسب:
75 بني آدم.
30 يوم.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *