أخطر راجل في عالم المافيا في القاهرة
الجزء الرابع
لأول مرة…
خرج الحاج عزت من قصره من غير موكب، ومن غير استعراض قوة.
كان راكب عربيته بنفسه، وعينيه مليانين غضب وخوف في نفس الوقت.
قال للحارس اللي جنبه:
“اقفلوا كل مخارج القاهرة… أي عربية خرجت من غير إذني تتراجع.”
في أقل من ساعة…
كانت رجالة الحاج عزت منتشرين في كل مكان.
مخازن… مزارع… استراحات… ومواني.
لكن…
ولا أي أثر لسيد أو يوسف.
في مخزن مهجور على أطراف القاهرة…
كان سيد مربوط على كرسي.
أما يوسف…
فكان قاعد في ركن، وحاضن الأتوبيس اللعبة بقوة.
دخل فؤاد وهو بيضحك.
قال لسيد:
“شايف؟ بسبب ابنك… الكبير نسي شغله وبقى يجري ورا عيل صغير.”
سيد بصله بغضب.
“إنت هتستفيد إيه؟”
رد فؤاد وهو يقرب منه:
“طول عمر الحاج عزت قوي… ولو قلبه رق، كل اللي تحت إيده هيتمردوا. وأنا مش هسمح بده.”
يوسف قام ووقف قدام أبوه.
وقال بشجاعة رغم خوفه:
“سيب بابا… أنا معملتش حاجة.”
ضحك فؤاد باستهزاء.
“المشكلة إنك عملت… خليت راجل عمره ما عرف الرحمة يحس بيها.”
في نفس الوقت…
كان الحاج عزت واقف في أوضة قديمة داخل القصر.
فتح خزنة حديدية محدش لمسها من أكتر من عشرين سنة.
طلع منها صندوق خشب صغير.
ولما فتحه…
ظهر أتوبيس لعبة…
أصفر.
قديم.
ومكسور من نفس الناحية.
وقف يبصله، وإيده بتترعش.
دخل عليه كبير الخدم باستغراب.
“يا كبير… أول مرة أشوف الصندوق ده.”
رد عزت بصوت مكسور:
“ده كان بتاع ابني… كريم.”
سكت لحظة، وكأن الكلمات طالعة بالعافية.
“كان عنده سبع سنين… وكان كل يوم ينام وهو حاضنه.”
تنهد بقوة، ثم كمل:
“في يوم… كنت مشغول بصفقة سلاح، ووعدته أفسحه… لكنه فضل مستنيني بالساعات.”
نزلت دمعة من عينه.
“خرج مع السواق لوحده… واتعمل لهم حادث.”
ساد صمت ثقيل.
“ومن يومها… دفنت ابني… ودفنت قلبي معاه.”
رفع الأتوبيس اللعبة، وبص له طويلًا.
“لما يوسف حط لعبته قدامي… افتكرت كريم.”
وفي اللحظة نفسها…
رن هاتف الحاج عزت.
رد بسرعة.
جاله صوت مجهول:
“لو عايز تشوف سيد وابنه أحياء… تعالى لوحدك.”
“مين أنت؟”
“تعالى… وهتعرف.”
ثم أغلق الخط.
الحاج عزت ابتسم ابتسامة باردة.
فتح درج مكتبه…
وأخرج مسدسه القديم الذي أقسم ألا يستخدمه مرة أخرى.
نظر إليه وقال:
“واضح إن وعدي انتهى النهارده.”
ثم خرج من القصر…
وهو يعرف أن المواجهة القادمة لن تحدد فقط مصير سيد ويوسف…
بل ستحدد إن كان عزت المنصوري سيظل “الكبير”…
أم سيموت وهو يحاول أن يصبح إنسانًا من جديد.
نهاية الجزء الرابع.
الجزء الخامس
وصل الحاج عزت للمكان اللي اتبعتله.
مصنع قديم مهجور، نوافذه مكسورة، والظلام مالي كل ركن فيه.
نزل من عربيته… لوحده.
زي ما طلبوا.
أول ما دخل، سمع صوت تصفيق بطيء.
خرج فؤاد من الضلمة، ووراه أكتر من عشرين راجل مسلح.
ابتسم وقال:
“أخيرًا… الكبير سمع الكلام.”
الحاج عزت رد بهدوء:
“فين سيد ويوسف؟”
أشار فؤاد بإيده.
اتفتح باب حديد.
خرج سيد مربوط، وعلى بعد خطوات منه كان يوسف، مكبل الإيدين، لكن أول ما شاف الحاج عزت صرخ:
“يا حاج… امشي! هيقتلوك!”
ابتسم عزت لأول مرة.
وقال:
“متخافش يا بطل… النهارده محدش هيقدر يلمسك.”
ضحك فؤاد بصوت عالي.
“إنت فاكر نفسك لسه الكبير؟ رجالتك بقت معايا… والتجارة بقت بتاعتي.”
لف الحاج عزت حواليه…
واكتشف إن معظم اللي واقفين كانوا فعلًا من رجال إمبراطوريته.
ناس أكلوا من خيره سنين.
لكنه ما خافش.
قال بصوت هز المكان:
“اللي عايز يمشي… يمشي. لكن اللي هيرفع سلاحه على طفل… عمره ما كان راجل.”
ساد الصمت.
اتبادلوا الرجالة النظرات.
في اللحظة دي…
فؤاد فقد أعصابه.
خطف مسدسه ووجهه ناحية يوسف.
“يبقى أول واحد هيموت هو!”
لكن قبل ما يضغط الزناد…
ارتمى الحاج عزت بكل جسمه قدام يوسف.
انطلقت الرصاصة…
واخترقت كتف عزت.
وقع على الأرض.
يوسف صرخ وهو بيبكي:
“يا حاج!”
وفي نفس اللحظة…
دوى صوت طلقات من بره المصنع.
دخلت قوات الشرطة من كل اتجاه، ومعاهم قوة خاصة.
كان الحاج عزت قبل ما ييجي للمكان…
بعت كل الملفات اللي تدين فؤاد وشبكته للشرطة، وعرف إن النهاية لازم تيجي مهما كان الثمن.
بدأ تبادل إطلاق النار.
وفؤاد حاول يهرب.
لكن سيد، رغم إنه كان مربوط، رمى نفسه عليه، ووقعه أرضًا.
ولحقت الشرطة وقبضت عليه.
بعد دقائق…
انتهى كل شيء.
الإسعاف نقلت الحاج عزت للمستشفى.
وكان يوسف ماسك إيده طول الطريق، رافض يسيبها.
فتح عزت عينيه بصعوبة.
ابتسم للولد وقال:
“فاكر… لعبتك؟”
يوسف هز رأسه وهو بيبكي.
قال عزت:
“خليها معاك… ومتبعهاش أبدًا.”
ثم مد يده المرتعشة داخل جيبه…
وأخرج الأتوبيس اللعبة القديم بتاع ابنه كريم.
وحطه جنب لعبة يوسف.
وقال:
“من النهارده… الاتنين مع بعض.”
وأغمض عينيه.
لكن جهاز مراقبة القلب…
بدأ يطلق صوتًا متواصلًا.
يتبع في الجزء الأخير…
الجزء السادس والأخير
استمر صوت جهاز القلب يملأ غرفة العمليات…
سيد ضم يوسف لصدره، وهو بيبكي لأول مرة من يوم وفاة مراته.
أما يوسف…
فكان ماسك الأتوبيسين اللعبة بإيده الصغيرة، وبيتمتم:
“يا رب… متخدوش.”
بعد ساعات طويلة…
خرج الدكتور.
الكل جري عليه.
قال بهدوء:
“الرصاصة كانت خطيرة… لكن قدرنا ننقذه.”
يوسف نط من الفرحة.
“يعني الحاج هيصحى؟”
ابتسم الدكتور.
“إن شاء الله.”
بعد أسبوع…
فتح الحاج عزت عينيه.
أول وش شافه كان يوسف، نايم على الكرسي جنبه، وحاضن الأتوبيسين.
ابتسم عزت وهو بيملس على شعره.
وقال بصوت ضعيف:
“أنا وعدتك… محدش هيقدر يلمسك.”
يوسف صحي بسرعة، وارتمى في حضنه.
“كنت فاكر هتسيبنا.”
نزلت دمعة من عين عزت.
“أنا اللي طول عمري كنت بسيب الناس… لكن ربنا اداني فرصة أصلح اللي فات.”
بعد شهر…
القاهرة كلها اتفاجئت بخبر عمرها ما كانت تتخيله.
الحاج عزت المنصوري أعلن حل كل أعماله غير القانونية، وسلم باقي الملفات للنيابة، وتنازل عن جزء كبير من ثروته.
ناس كتير قالت إنه جن.
وناس قالت إنه بيحاول يهرب من الحساب.
لكن الحقيقة…
إن طفل صغير، بجاكيت قديم ولعبة مكسورة، عمل اللي محدش قدر يعمله طول عمره.
غير قلب أقسى راجل في المدينة.
أما سيد…
فاستلم إدارة شركة نقل قانونية أسسها الحاج عزت من أموال نظيفة.
وبقى عنده بيت محترم.
ويوسف رجع المدرسة.
ولأول مرة…
بقى عنده أوضة خاصة بيه.
بعد سنة…
كانت حديقة صغيرة قدام بيت سيد مليانة ناس.
يوسف كان بيجري مع أصحابه وهو بيضحك.
الحاج عزت كان قاعد على كرسي خشب، شعره شاب أكتر، لكن ملامحه بقت أهدى.
يوسف جري عليه.
“بص يا جدو عزت… العربية اتصلحت.”
رفع عزت عينه.
لقى الأتوبيس اللعبة المكسور، متصلح بعجلة جديدة.
ابتسم وسأل:
“مين صلحه؟”
يوسف ضحك وقال:
“أنا وبابا… بس سبنا الشرخ زي ما هو.”
استغرب عزت.
“ليه؟”
رد يوسف وهو يحط اللعبة في إيده:
“عشان نفتكر إن الحاجة المكسورة… ممكن تتصلح، لكن عمرها ما تنسى اللي حصلها.”
بكى الحاج عزت وهو يضم يوسف إلى صدره.
ورفع رأسه إلى السماء وقال:
“الحمد لله… ادتني يا رب فرصة أتوب قبل ما أقابلك.”
وفي تلك اللحظة…
أدرك أن القوة الحقيقية لم تكن في المال، ولا السلاح، ولا خوف الناس منه…
بل في قلب طفل صغير، اختار الرحمة بدل الطمع، فأنقذ روح رجل ظن الجميع أنها ماتت منذ سنوات.
تمت.