بابا هو الى ضربني

الحقيقة…
كان بيبص تحت الكونسول الخشبي اللي جنب الباب.
هناك…
شاف سلك رفيع جدًا.
رفيع لدرجة إن أي حد عادي مستحيل يلاحظه.
السلك داخل في الحيطة.
وعليه لمبة حمراء صغيرة بتنور وتطفي.
محمود همس لنفسه
فخ…
رجع خطوة لورا فورًا.
في نفس اللحظة…
صوت كريم اتغير لأول مرة.
إيه؟… وقفت ليه؟
عرف إنه كان مستنيه يفتح الباب.
محمود رفع صوته وقال
لأنك نسيت إن شغلي أربعين سنة كان إني ألاحظ اللي غيري ما يشوفوش.
ساد صمت لثوانٍ.
وبعدين…
اتسمعت ضحكة قصيرة من كريم.
لكن الضحكة دي…
ماكانش فيها ثقة زي الأول.
وبينما محمود بيدور بعينه على أي مدخل تاني…
لفت انتباهه لوحة كبيرة معلقة في آخر الممر.
صورة عائلية.
كريم واقف فيها جنب سارة.
الغريب…
إن الصورة كانت ميلة شوية.
مع إن كل باقي اللوحات مستقيمة.
قرب منها بحذر.
مد إيده…
ولمس الإطار.
الإطار اتحرك بسهولة.
أكتر من اللازم.
ضغط عليه بخفة…
فطلع صوت تك.
وببطء شديد…
جزء من الحائط بدأ يتحرك.
وراه…
ظهر ممر ضيق مظلم.
وفي اللحظة اللي الباب السري اتفتح فيها…
وصلت لمحمود ريحة قوية تشبه رائحة المطهرات والأدوية.
ومن عمق الممر…
سمع صوت سارة بوضوح لأول مرة.
لكن اللي قالته خلاه يحس إن كل اللي شافه لحد دلوقتي كان مجرد بداية.
بابا… متدخلش لوحدك… هو كان مستنيك من قبل ما أتصل بيك…محمود وقف عند مدخل الممر.
الجملة دي ما خرجتش من سارة بصوت واحدة مستسلمة…
خرجت بصوت واحدة بتحاول تنقذ أبوها.
وده كان أخطر بكتير.
قال بهدوء
أنا داخل… سواء كان مستنيني أو لأ.
خلع الجاكيت بتاعه، ولفه على دراعه.
مش عشان البرد…
لكن عشان لو فيه سلك أو فخ تاني يقدر يحمي نفسه.
دخل أول خطوة.
الممر كان ضيق جدًا.
الحيطان خرسانة من غير دهان.
لمبات صفراء ضعيفة بتنور وتطفي.
كل كام متر…
كاميرا مراقبة.
وكل كاميرا أول ما يعدي من تحتها…
تطلع صوت تك خفيف، كأنها بتسجل حضوره.
بعد عشرين متر تقريبًا…
وصل لباب زجاجي سميك.
ومن خلاله…
شاف أوضة كبيرة تحت الأرض.
كانت أشبه بغرفة تحكم.
شاشات بالمئات.
كل شاشة بتنقل مكان مختلف.
الفيلا.
الجنينة.
الجراج.

حتى الشارع برا البيت.
لكن اللي صدمه…
إن فيه شاشات بتنقل أماكن تانية خالص.
شقق.
مكاتب.
مخازن.
وأشخاص ما يعرفهمش.
محمود همس
إيه المكان ده؟
وقبل ما يجاوب نفسه…
الباب الزجاجي اتفتح أوتوماتيك.
وصوت كريم رجع تاني.
اتفضل يا سيادة اللواء… أخيرًا وصلت.
دخل محمود بحذر.
كانت سارة مربوطة على كرسي في آخر الغرفة.
وشها عليه آثار ضرب.
لكن أول ما شافته…
صرخت بكل قوتها
بابا… لا!
في اللحظة نفسها…
أربع رجالة لابسين أسود خرجوا من الأبواب الجانبية.
كل واحد فيهم ماسك جهاز صعق كهربائي.
وقفوا في صمت…
من غير ما يهجموا.
وكأنهم مستنيين أمر واحد بس.
بعدها…
خرج كريم بنفسه.
لابس بدلة رمادي.
وشه هادي.
وكأنه داخل اجتماع مهم، مش مواجهة.
وقف قدام محمود وقال بابتسامة باردة
أنا كنت متأكد إن حبك لبنتك هيغلب تدريبك.
محمود رد من غير ما يرمش
فكها… وكل حاجة بعدها هتتحل.
كريم ضحك.
لسه فاكر إن الموضوع سارة؟
وأشار بإيده ناحية الشاشات.
بص حواليك.
محمود بص.
وفجأة…
لاحظ حاجة مرعبة.
على كل شاشة…
كان فيه اسم.
ورقم.
وملف كامل.
قضاة.
صحفيين.
رجال أعمال.
ضباط سابقين.
ووزراء.
كل واحد ليه كاميرا…
وملف…
وصور.
ابتسامة كريم اختفت لأول مرة.
وقال بصوت منخفض
اللي شايفه ده… هو السبب الحقيقي إن محدش يقدر يقرب مني.
وفي اللحظة دي…
رن هاتف محمود.
رقم مجهول.
رغم إن موبايله كان على وضع الصامت.
نظر للشاشة…
واتسعت عيناه.
لأن اسم المتصل الذي ظهر…
كان اسم شخص مات من خمس سنوات محمود فضل يبص للشاشة كأنه مش مستوعب.
الاسم كان واضح…
اللواء سامح الدمنهوري.
أقدم زميل ليه…
وصاحبه اللي استشهد في مأمورية من خمس سنين.
مستحيل…
رقمه اتقفل رسميًا بعد وفاته.
سارة صرخت
بابا… ما تردش!
لكن كريم ابتسم بثقة.
رد… هتعجبك المفاجأة.
محمود ضغط زر الرد وهو مثبت عينه في كريم.
جاله صوت مشوش…
وبعدين تسجيل قديم.
لو بتسمع الرسالة دي… يبقى أنا غالبًا مت…
التسجيل اتقطع فجأة.
وبعدين بدأ تسجيل تاني.
صوت اللواء سامح كان أوضح.
محمود… لو وصلت للمرحلة دي… اعرف إن اللي قدامك أكبر بكتير
مما تتخيل…
كريم ضغط زر في جهاز صغير بإيده.
التسجيل وقف.
ابتسم وقال
كفاية لحد كده.
محمود قرب منه خطوة.
إنت جبت التسجيل ده منين؟
كريم رد بهدوء
مش مهم جبتُه منين… المهم إنه حقيقي.
ثم أشار للشاشات.
كل واحد هنا عنده نقطة ضعف.
ضغط زر تاني.
ظهرت صورة لقاضٍ كبير.
ثم فيديو لرجل أعمال.
ثم تسجيل لسياسي.
وبعدين…
ظهرت صورة محمود نفسه.
منذ أكثر من عشرين سنة.
لابس الزي العسكري.
واقف في موقع عملية قديمة.
محمود اتسمرت رجله في الأرض.
العملية دي…
كانت سرية.
حتى أسرته ما تعرفش عنها حاجة.
إزاي الصورة دي عند كريم؟
كريم لاحظ الصدمة على وشه.
ابتسم ابتسامة المنتصر.
دلوقتي بدأت تفهم.
محمود قال بصوت ثابت
إنت مش مجرد راجل بيضرب مراته.
أخيرًا.
رد كريم وهو بيصفق مرة واحدة.
أخيرًا وصلت للحقيقة.
ثم قرب منه وهمس
أنا كنت محتاجك تيجي بنفسك… لأن في حاجة عندك… ومحدش غيرك يقدر يوصلها.
محمود عقد حاجبيه.
أنا؟
أيوه.
وأنا عندي إيه؟
كريم ابتسم من جديد.
مفتاح.
مفتاح إيه؟
كريم سكت لحظات…
وقبل ما ينطق، دخل أحد الرجال الأربعة بسرعة وهو بيجري.
كان وشه شاحب.
وقال بصوت متوتر
يا فندم… في مشكلة.
كريم ضاق صدره لأول مرة.
إيه؟
الرجل بلع ريقه وقال
النظام… حد اخترقه.
ابتسامة كريم اختفت تمامًا.
مستحيل.
كل الشاشات بتقفل واحدة ورا التانية… وفي حد بيسيطر على السيرفر الرئيسي.
في اللحظة نفسها…
بدأت كل الشاشات في الغرفة تومض.
واحدة…
ورا التانية…
إلى أن تحولت كلها إلى شاشة سوداء.
ثم ظهرت عليها جملة واحدة باللون الأبيض
اللعبة انتهت… والعد التنازلي بدأ.
وفي الركن السفلي من كل شاشة…
بدأ مؤقت يعد تنازليًا
0959… 0958… 0957…
ومحدش في الغرفة كان عارف…
إيه اللي هيحصل لما العداد يوصل للصفر الرجالة الأربعة بصوا لبعض في ذعر.
أول مرة يشوفوا كريم فاقد السيطرة.
صرخ فيهم
اقفلوا السيرفر الاحتياطي… حالًا!
واحد منهم جري ناحية لوحة التحكم.
ضغط زر…
ثم اتنين…
ثم بدأ يكتب بسرعة على لوحة المفاتيح.
لكن الشاشة رفضت أي أوامر.
ظهرت رسالة جديدة
تم إلغاء صلاحيات المدير.
الراجل بص
لكريم وهو بيترعش.
يا فندم… حد سحب كل الصلاحيات.
كريم خطف اللاب توب بنفسه.
بدأ يكتب بجنون.
كل كلمة سر يعرفها.
ولا واحدة اشتغلت.
لأول مرة…
ابتدى العرق ينزل من جبينه.
أما محمود…
فلاحظ حاجة غريبة.
في وسط الفوضى…
سارة كانت بتبص ناحية زاوية معينة من الأوضة.
مش ناحية كريم.
ولا ناحية الباب.
كانت مركزة على دولاب معدني صغير عليه رقم 17.
ولما عينيه قابلت عينيها…
هزت رأسها حركة بسيطة جدًا.
كأنها بتقوله
هناك.
محمود فهم الرسالة.
لكن تظاهر إنه لسه مركز مع كريم.
قال بهدوء
واضح إن إمبراطوريتك بتقع.
كريم لف ناحيته بعصبية.
اسكت!
وفي نفس اللحظة…
المؤقت بقى
0742
ثم ظهرت رسالة جديدة على كل الشاشات.
سيتم إرسال جميع الملفات تلقائيًا عند انتهاء العد التنازلي.
الغرفة كلها سكتت.
أحد الرجال قال بفزع
كل الملفات؟!
رد الكمبيوتر بصوت آلي
إلى الجهات المختصة… وإلى أكثر من خمسين وسيلة إعلام.
لون وش كريم اتغير تمامًا.
لو الملفات خرجت…
كل حاجة هتنتهي.
شركته.
نفوذه.
الناس اللي كان بيبتزهم.
كل الأسرار هتبقى في العلن.
صرخ في رجاله
افصلوا الكهرباء!
جري اثنين منهم ناحية غرفة الكهرباء.
بعد ثوانٍ…
انطفأت الأنوار.
لكن الشاشات…
فضلت شغالة.
المؤقت مستمر.
0659… 0658…
رجعت الكهرباء بعد لحظات.
والرسالة ما زالت كما هي.
كريم ضرب المكتب بقبضة إيده.
مين؟! مين اللي عمل كده؟!
وفي اللحظة دي…
خرج صوت جديد من سماعات الغرفة.
مش صوت إلكتروني.
ولا صوت كريم.
كان صوت رجل كبير في السن.
هادئ…
وواثق.
وقال
قولتلك زمان يا كريم… اللي يبني قوته على خوف الناس… هييجي يوم ويغرق فيه.
محمود رفع رأسه فجأة.
الصوت…
كان مألوفًا جدًا.
لكن قبل ما يقدر يتذكر صاحبه…
التفت كريم ناحية السماعات، واتسعت عيناه لأول مرة برعب حقيقي.
وهمس لنفسه
لا… مستحيل… هو مات…كريم رجع خطوة لورا.
وشه شحب بشكل مرعب.
وبص ناحية السماعات كأنه شاف شبح.
كرر بصوت مرتعش
لا… ده مستحيل.
الصوت رجع تاني، بنفس الهدوء
واضح إن ضميرك لسه فاكرني.
محمود كان بيحاول يفتكر.
الصوت مألوف…
قوي…
لكن الزمن غيّره.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *