تاني يوم بعد الفرح ج٣
مضيتُ على عقود التوسع الأكبر بقيمة مليار دولار، وتم إطلاق اسم “مجمع أمينة المنشاوي الصناعي” على أكبر مدينة نسيج متكاملة في الشرق الأوسط.
بعد مرور عامين..
كنتُ أقف في شرفة المقر الرئيسي الجديد للإمبراطورية في العاصمة الإدارية الجديدة. المبنى يرتفع خمسين دورًا، يطل على المساحات الخضراء، وأصوات الماكينات في مصانعنا بالثلاث مدن تبث في التلفزيونات الداخلية حركة لا تتوقف على مدار أربع وعشرين ساعة.
جاءني عم ناصر وهو يحمل قهوتي الصباحية، ابتسم وهو ينظر إليّ بوفاء وأبوة:
— “صباح الخير يا ست ليلى.. خطوط الإنتاج الجديدة في ألمانيا وافتتاح فرع نيويورك تموا بنجاح، وتقرير الأرباح السنوية كسر كل الأرقام القياسية في تاريخ الشركة.”
رشفْتُ من القهوة ونظرتُ للسماء الصافية.
تذكرتُ ثاني يوم بعد الفرح.. تذكرتُ كريم وسهير وفؤاد وهم يظنون أن الروب الحريري الأبيض وحلق الألماس علامة سذاجة وضبط صيد سهل.
تذكرتُ الموثق والقلم الأسود اللي شطبت بيه على ورقة التنازل.
كم كانوا عميانًا! لم يفهموا أن القوة لا تحتاج إلى صراخ، وأن الهدوء هو الغلاف الأثقل للحديد.
اليوم.. كريم يقضي سنواته خلف الأسوار يفكر فيما خسره بسبب الجشع، وسهير وطارق يدفعون ثمن حقد أكل قلوبهم، بينما اسم “المنشاوي” أصبح رمزًا للشرف والعمل والسيادة.
لمستُ حلق الألماس الخاص بجدتي، وابتسمتُ ابتسامة نصر هادئة صافية.
— “جدتي أمينة كانت بتقوللي: ‘ما توريش الديابة فين الحديد اللي مخبياه’..” قلتُ لعم ناصر وأنا ألتفتُ لمكتبي. “بس هي نسيت تقوللي.. إن الديابة لما بتشوف الحديد.. بتهرب وتفوت إمبراطوريتها لصاحبتها الحقيقية.”
أغلقتُ ملف الماضي للأبد، ومشتُّ بخطوات واثقة نحو قاعة الاجتماعات.. حيث كان المستقبل ينتظر ليلى المنشاوي.