تضحيه

قربت من الممر اللي رمى فيه حاجتي.. الكراتين اللي كانت ملفوفة بشريط لاصق، شايلة الذكريات، الصور القديمة بتاعة أمي وأبويا، هدومي البسيطة اللي ما عجبتش “هوانم” العروسة.

قعدت على ركبتي جنب الكراتين، ومسكت صورة أمي وأبويا.. مسحت التراب من على زجاج البرقع بإيدي اللي بتترعش، وبكيت.. بس المرة دي ما كانش بكاء ضعف ولا انكسار.. كان بكاء الفرج، بكاء الست اللي وقفت طوفان ظلم وبنت سد من حجر.

همست للصورة بصوت مخنوق بالدموع بس مليان ثبات:

ـ “سامحوني يا بابا.. سامحيني يا أمي.. صنت الأمانة لحد ما الأمانة بقت هي الس\كينة اللي في ضهري.. ربيت وكبرت، بس لما العيل كبر أراد يقطع الإيد اللي اتمدت له.. وكان لازم أقطعه هو قبل ما يهد السقف عليا.”

قمت وقفت، مسحت دموعي بإصرار، ومشيت ناحية الصالون المذهب.

شلت المفارش الدانتيل اللي كانت خطيبته منقياها بعنجهية، ورميتها في الأرض.. فتحت البيبان والشبابيك على آخرها، خليت هواء ربنا وشمسه يدخلوا يطهروا المكان من ريحة الغل والتكبر اللي كانت خنقاني.

شغلت الراديو على إذاعة القرآن الكريم، وصوت القارئ ملأ البيت وسكّن الوجع اللي جوة قلبي.

في اللحظة دي، الموبايل رن على الترابيزة..

بصيت على الشاشة.. كان الرقم اللي استنيته كتير، الرقم الوحيد اللي كان شايفني في عز ما كان أخويا شايفني “كراكيب” مالهاش لازمة.

رديت بثبات، وصوتي طالع صافي زي المية:

ـ “أيوة يا عبد الرحمن..”

جالي صوته الهادي، مليان حنية واحترام كان بقالي سنين محرومة منهم:

ـ “طمنيني يا بنت الأصول.. كل حاجة تمت زي ما اتكلما؟”

ابتسمت من قلبي، وبصيت حواليا في الشقة اللي بقت ملكي بحق وحقيق:

ـ “تمت يا عبد الرحمن.. البيت فضي، والحق رجع لأصحابه.. وما بقاش فاضل في الشقة دي غير مكان للشخص اللي يعرف يعوضني عن كل شقا عمري.”

رد بصوت فيه فرحة هزت كياني:

ـ “يبقى على بركة الله.. بكره هكون عندك ومعايا المأذون وكبار العيلة، عشان نردلك اعتبارك قدام الشارع كله، ونبدأ العمر اللي فاضل سوا.. مرفوعة الراس زي ما طول عمرك.”

قفلت معاه، وحطيت الموبايل على قلبي.. وبصيت في المراية الكبيرة اللي في الصالة.

بصيت لشكي.. وشي اللي أخويا قال عليه “عجز واتطفا”.. لقيت فيه بريق تاني خالص، بريق الست القوية اللي ما انكسرتش، الست اللي خدت حقها بتعبها وعرقها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *