تضحيه

بدأ التوضيب.. الشقة كلها اتقلبت، هدوا حيطان وجددوا سيراميك، وغيروا ألوان البويا. حتى أوضتي اللي كنت بنام فيها، مسحوا ملامحها تماماً وعملوها صالون مودرن مذهب يبرق!

وطول الأسابيع دي، أنا ما قعدتش وضهري متني.. كنت بلم ورا العمال، أصفي التراب، أعمل أكل وشاي للصنايعية من الصبح للمغرب، وأشيل وأحط معاهم وأنا جسمي بيتكسر. كنت فاكرة إني لما أقف جنبه وأساعده يوضب عشه، هيشوف في عيني كلمة “مبروك” ويحس بالجميل.. كنت فاكرة إن قسوته كان ليها حدود، بس أتاري الطمع والجحود مالهومش قاع!

في اليوم الأخيرة، فى التوضيب والشقة بقت تبرق وزي ألف ليلة وليلة، دخلت خطيبته بقمة العجرفة.. تلف في الأركان وتبصلي من فوق لتحت بنظرة قرف، وهو ماشي وراها زي ضلها.

وقفت في وسط الصالة المتلمعة بعرقي، وكنت لسة بمسح إيدي في المريلة من بواقي البويا، لقيته قرب مني.. عينيه ما كانش فيها ذرة امتنان، بالعكس، كان فيها نظرة تملك مريضة!

أشر بصباعه على الأرض اللي لسة ماسحاها، وقالها بصوت جاف، حاد، يقطع الخِلف:

“بصي بقى يا حلوة.. عشان نكون على نور وما نرجعش نزعل من بعض: الشقة دي اتفرشت بالكامل لعروستي، وما بقاش ليكي فيها أوضة ولا مطرح تنامي فيه زي زمان.. أنتِ من بكرة مالكيش صفة هنا غير حاجة واحدة بس!”

بصيت له باستغراب، وشفايفي بترتعش: “صفة إيه يا ابن أمي؟”

ضحك ضحكة صفرا هزت الشقة، وكمل وهو بيحط إيده في جيبه بقمة التبجح:

“أنتِ هنا هتبقي الخدامة بتاعت البيت! تطبخي، تغسلي، تمسحي تحت رجلي ورجل مراتي، وتلبي طلباتها بالثانية.. وقعدتك هنا بلقمتك وخدمتك لينا! مش عاجبك؟ الباب يفوت جمل.. الشارع وراكي، روحي دوري لك على خرابة تلمك بس مش هتاخدي معاكي قرش واحد من البيت ده!”

وقفت خطيبته ورانا وربطت دراعاتها، وابتسمت ابتسامة شمتانة وهي بتقول ببرود:

ـ اول ما العفش يوصل عايزاكى تقفى مع الصنايعيه وتفرشى معاهم ولما باقى الجهاز يوصل عايزاكى ترصيه فى الدواليب

وتحضرى امل العرسان

انا بقيت واقفه دموعى على خدى بقى ده العيل الصغير اللى ضحيت بحياتى عشانه عايز يضيع باقى عمرى وانا خدامه ليه ؟؟

هى دى جزاتى ؟؟؟

مسحت دموعي بإيدي اللي كانت لسة مفحومة من التعب والتراب، وبصيت في عينيه.. ما لقتش فيهم ولا حتى خيال العيل الصغير اللي كنت باخد من قمتي وأكله، ولا الطفل اللي كنت بسهر جنبه طول الليل لما يرتفع حرارته وأنا بدعي ربنا ياخد من عمري ويديله.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *