في عام ١٩٩٥ رحل وتركها وحيده مع ٥ اطفال
مرت الأيام التالية على البيت كأن صفحة بيضاء تكتب بحروف من نور. لكل
شيء طعم جديد الهواء أخف الخطوات أهدأ والنوم أعمق.
لم تعد الأم تنام وهي تخاف من الغد ولا يستيقظ الأبناء وهم يشعرون أنهم مطاردين من ظل الاټهامات القديمة. صاروا ينظرون إلى العالم من عل من المكان الذي يليق بمن صبر وانتصر.
في البلدة تغير كل شيء. نظرات الناس لم تعد تلك النظرات التي تخترق القلب شكا أو استهزاء. صاروا ينظرون إليها باحترام غريب احترام من يعرف أنه كان مخطئا لكنه لا يملك الشجاعة ليعترف بذلك. بعض النساء اللواتي كن يشيحن بوجوههن عنها صرن يقفن طويلا أمام باب منزلها ثم يذهبن دون أن تجرؤ إحداهن على قرع الجرس.
بعض الرجال الذين كانوا
يغيرون الطريق
في عام 1995 رحل تركها وحيدة مع خمسة أطفالٍ سو.د البشرة وبعد ثلاثين عامًا ظهرت الحقيقة
إذا رأوها صاروا يكتفون بخفض النظر كلما مرت كأنهم يخجلون من سنوات كاملة ارتكبوا فيها ذنب الصمت. أما الشباب الذين كانوا يرمقون أبناءها بنظرات لاذعة صاروا الآن يتهامسون بإعجاب
هذه المرأة لم ترب أطفالا فقط بل ربت رجالا ونساء من ذهب.
كان الأبناء يدركون أن كل نجاح يحققونه اليوم هو امتداد ليد أمهم التي كانت تطفئ خوفهم وتشعل فيهم أملا صغيرا كل يوم. أحس المعماري بأن كل مبنى يصممه هو سداد دين طويل. كانت المحامية كلما وقفت في المحكمة تشعر أنها تدافع عن أمها من جديد. المغني كان يرى في كل أغنية
يكتبها جزءا من تاريخ تلك المرأة التي علمته أن الكرامة
صوت لا يجب أن يختفي. المستشار كان يشعر أن كل نصيحة يمنحها لشاب يائس هي رد جميل لسنوات الجوع التي أخفتها الأم بابتسامة ثابتة. والفنان كان يسافر بلوحاته من مدينة إلى أخرى ليقول للعالم كله هذه أمي وهذه قصتها وهذه قوتها.
وفي إحدى الليالي عادوا جميعا إلى المنزل بعد يوم طويل من الفرح. جلسوا حولها . كانت تجلس في الفناء تستند إلى الكرسي الخشبي القديم الذي رافقها في صباحات كثيرة. نظرت إلى السماء التي امتلأت بالنجوم كأنها تعدها واحدة تلو الأخرى وكأنها تجري حساباتها مع القدر الذي تأخر كثيرا لكنها لم تعد غاضبة منه. كانت تشعر بأن كل ظلم واجهته لم يكن نهاية
بل كان طريقا لا بد أن تعبره لتصل إلى هذه اللحظة اللحظة التي تشعر فيها بأنها انتصرت دون أن ترفع صوتها دون أن تخوض حربا ودون أن تتلطخ بالڠضب.