دار الايتام
الصفحات بسرعة.
كل الأطفال كانوا متدربين ميكلموش أي مدرس أو دكتور أو أخصائي لوحدهم.
ولو حد سألهم عن الجوع…
يقولوا إن ده بسبب حياتهم قبل ما يتبنّوهم.
وفي صفحة كاملة، لقت أربع جمل مكتوبين بخطوط الأطفال كلهم
إحنا بناكل كل يوم.
إحنا في أمان.
إحنا ساعات بنكدب بسبب ماضينا.
محدش قالنا نقول الكلام ده.
آخر صفحة كانت أخطر واحدة.
رسمة بسيطة للعربية من فوق.
اتنين كبار.
وست أطفال.
لكن…
كان فيها سبعة أحزمة أمان بس.
وتحتها آدم كاتب
عدّوا أحزمة الأمان قبل ما تصدّقوا كلامهم.
لو الشرطة لقت سبعة أشخاص بس… يبقى الشخص التامن ما هربش.
هو من البداية… ماكانش المفروض حد يعرف إنه موجود.
اتجمدت ميساء مكانها.
ومسكت موبايلها واتصلت بالشرطة فورًا.
وفي نفس الوقت…
كانت دواليب كل الأطفال في المدرسة اتفضت.
وبعدها بحوالي خمسين كيلو…
كانت العربية البيضا داخلة طريق السفر…
والمفاجأة الحقيقية… لسه ما بدأتش…….
صوت رنين التليفون في غرفة العمليات بالشرطة كان هو الخيط الرفيع اللي بيتحرك عليه مصير الأطفال. ميساء، بصوت بيترعش من كتر الخوف والرعب اللي شافته في عيون آدم، قدرت توصل نقطة تفتيش المرور على طريق السفر، وبلغت عن رقم عربية الدار البيضا، وأكدت بالحرف الواحد العربية فيها تمن أشخاص مش سبعة.. والعربية مسافات طويلة وفيها جراكن بنزين، والموضوع مش رحلة عادية!
الظابط على الطرف التاني من السلسلة الأمنية أخذ البلاغ بجدية تامة، خصوصًا لما سمع اسم دار الأمل والمديرة المشهورة نهى، وأصدر أوامره الفورية لكل كمين على الطريق بضرورة إيقاف السيارة وفحصها بشكل كامل من غير أي استثناءات أو استغلال للأسماء الرنانة.
الفصل الأخير الفخ اللي انقلب على أصحابه
على بعد خمسين كيلو متر، جوه العربية ال SUV البيضا، الجو كان مقبوض لدرجة تعور الأنفاس.
نهى كانت قاعدة جنب السواق سامية، وبتعدل إضاءة الموبايل عشان تفتح لايف جديد على صفحة المؤسسة، وهي بتقول بصوت هادئ ومدروس
أصدقائنا ومتابعينا.. زي ما وعدناكم، رحلتنا العائلية لبداية جديدة بدأت. الأطفال نايمين في سلام وهدوء، والجو هنا ساحر.. تابعونا عشان تشوفوا المفاجأة اللي مجهزينها ليهم بالليل!
في ورا، الأطفال الستة قاعدين عيونهم في الارض، مش مصدقين إنهم هربوا من عيون المدرسين. لكن آدم.. آدم كان قاعد في أقصى الكنبة اللي ورا، جنب الباب المكتوم، وعينه مثبته على الشنطة المفتوحة تحت رجل سامية.
ساعتها بس، اتلفت آدم بهدوء وبص للأطفال اللي قاعدين جنبه، وهمس بصوت ميتسمعش
فكّوا حزام الأمان.. بسرعة.
ملك، الطفلة اللي قاعدة جنبه، بصتله برعب وقالت بصوت متهدج
لو حسوا بينا.. سامية هتعاقبنا الأسبوع كله في..
قاطعها آدم بحزم لأول مرة في حياته، وبص بعينين تمليها الشجاعة
مفيش أسبوع جاي يا ملك.. دي آخر رحلة.
في اللحظة دي، وقبل ما سامية تلحق تلف بالعربية عند المنحنى الخطير المؤدي للاستراحة المهجورة، ظهرت قدامهم فجأة سيارتين شرطة بطوارئ منورة وعالية، قافلين الطريق تمامًا ومنعتهم من الحركة.
نهى اتخضت والموبايل وقع من إيدها على أرضية العربية، وقالت بصوت مأزوم ومذعور
إيه ده؟! هما اتجننوا دول ولا إيه؟! دول ما يعرفوش إحنا مين!
سامية ضربت فرامل مفاجئة لدرجة إن العربية زلقت على الإسفلت بصوت صرير عالي، ووقفت أخيرًا بعنف.
المواجهة
الظابط نزل من عربية الشرطة، ومعاه عسكريين، وتقدموا ناحية ال SUV. نهى نزلت بسرعة، وابتسامة الصفوة والممثلة البارعة مرسومة على وشها بمهارة، وراحت ناحية الظابط وهي بتقول بدلع مصطنع وتأثر مزيف
حضرة الظابط! خير؟! إيه الإزعاج ده كله للأطفال؟ إحنا مؤسسة دار الأمل، وكل مصر عارفة مين نهى.. إحنا رايحين رحلة ترفيهية!
الظابط ما اهتمش بكلامها، وبص لسامية وهي نازلة ومرعوبة، وقال بصوت حاسم
افتحي شنطة العربية دي.. وباب الكنبة اللي ورا يفتح حالًا.
نهى حست إن الأرض بتلف بيها، وقالت بصوت ارتجف غصب عنها
افتح إيه؟! أنت بتقول إيه يا أستاذ؟! دي انتهاك لخصوصية أطفال..
قبل ما تكمل جملتها، كان العسكري فتح الباب الخلفي.
وهنا كانت المفاجأة اللي هدمت كل حصون الكدب والتزييف.
الظابط عدّ الأشخاص بعينه
واحد، اتنين، تلاتة، أربعة، خمسة، ستة.. آدم هو السابع.
وبص للظابط الثاني وقال دول سبعة.. فين التامن؟! الكشكول أشار لشخص تامن!
نهى بلعت ريقها بصعوبة بالغة وقالت بسرعة مافيش حد تاني! دول كل الأطفال!
لكن في اللحظة دي، وبينما عيون الكل كانت متوجهة للشنط اللي فوق السقف وجراكن البنزين، سمعوا صوت خبط مكتوم وضغوط خفيفة طالعة من الأرضية المزدوجة لشنطة العربية الخلفية، مكان ما المفروض بتكون العُدة والكاوتش الاستبن!
الظابط بصلهم بنظرة كلها وعيد، وشد السجادة اللي كانت متثبتة بمسامير مخفية.. وفجأة، اتفتح الغطاء السفلي.
الناس والظباط اتجمدوا مكانهم.
جوه التجويف الضيق المظلم، كان فيه طفل تامن.. أصغرهم سنًا، مربوط من إيديه بحبل خفيف، وعليه آثار كدمات قديمة، وعيونه ضائعة من كتر الخوف ونقص الاكسجين. ده الطفل اللي نهى خبت وجوده تمامًا من أول يوم؛ لأنه كان بيعاني من تلعثم شديد في الكلام ومستحيل يقدر يحفظ الجمل الملقنة لو ظهر قدام الكاميرات!
النهاية المفتوحة.. والعدالة اللي بدأت تتحرك
الكاميرات والموبايلات اللي كانت بتصور اللايف لسه شغالين.. بس المرة دي، مش بث مباشر لنهى ومؤسستها، ده كان بث مباشر
لشرطة السياحة والأمن العام وهي بتكلبش نهى وسامية بالجلباب الأبيض الناعم اللي كانوا بيظهروا بيه قدام المجتمع، بينما هما بيجرجروا في الأرض من كتر الصدمة وخيبة الأمل.
الظابط شال الطفل الثامن من التجويف المظلم، وحطه في حضن آدم اللي لأول مرة ينزل دمعة حقيقية.. بس مش دمعة وجع أو جوع.. دي كانت دمعة النصر.
في المدرسة، ميساء كانت قاعدة في الفصل الفاضي، بتبص للكشكول الأحمر المتبهدل، ولقت آخر سطر كتبته بنفسها بخط واضح جنب رسمة العربية
الحقيقة عمرها ما بتفضل مستخبية.. حتى لو حفروها تحت الأرض.
العربية البيضا اتحركت في اتجاه القسم، والاطفال السبعة ومعاهم الطفل الثامن ركبوا عربية إسعاف صحية وبكل رعاية، وبدا كأن كابوس سنين طويلة انقشع أخيرًا.
لكن في خلفية المشهد، وعلى بعد أمتار من مكان الكمين، كانت فيه عربية سوداء مظللة تمامًا واقفة على جنب الطريق، شخص مجهول قاعد جواها بيبص لمنظر القبض على نهى وسامية بهدوء غريب، وفجأة فتح دروج العربية وطلع مستندات تانية عليها نفس شعار دار الأمل.. وقال بصوت خافت لنفسه قبل ما يدور الموتور ويختفي في الضباب
الغلطة مش فيهم.. الغلطة إنهم سابوا الكشكول يهرب.. بس لسه اللعبة مخلصتش.