دار الايتام

في اللحظة اللي أكتر من 300 شخص وقفوا يسقفوا فجأه آدم طفل دار الأيتام وقع على الأرض..
وفي نفس اللحظة، كانت نهى، مديرة دار الأمل وممولتها، والست اللي قدام الناس دايمًا بتظهر في دور الأم الحنونة اللي كرست حياتها لإنقاذ الأطفال، بينما الحقيقة إن كل اللي يهمها هو الشهرة وصورتها قدام المجتمع، واقفة تحت يافطة كبيرة مكتوب عليها
مؤسسة دار الأمل لرعاية الأطفال.
حطت إيدها على قلبها، وقالت بصوت كله تأثر
لما آدم جه عندنا أول مرة… كان بيخبّي العيش تحت المخدة، لأنه عمره ما كان ضامن هيلاقي ياكل إمتى.
الناس بدأت تهمهم بتعاطف، وبعضهم مسح دموعه.
وراها على المسرح كان واقف ست أطفال من اللي بتربيهم الدار، كلهم لابسين نفس التيشيرت الأزرق، وواقفِين مترتبين حسب الطول، وعلى وشوشهم نفس الابتسامة المصطنعة اللي اتعودوا يرسموها قدام الكاميرات.
آدم كان آخر واحد في الصف.
وشه كان بيصفر واحدة واحدة، ورجليه بدأت تتهز، ولما نهى كملت تحكي عن أول أكلة قالت إنها عملتهاله بإيديها…
جسمه خانُه.
ووقع.
القاعة كلها شهقت.
نهى جريت عليه بسرعة، وقعدت على ركبها وضمته لحضنها، ولفت وشها ناحية الكاميرات بحيث يبان عليها الخوف.
وقالت
وسعوا له… الصدمات القديمة ساعات بترجع من غير أي إنذار.
في ثواني، عشرات الموبايلات طلعت، وكل الناس بدأت تصور.
آدم فتح عينيه ببطء.

لكن ما بصش لنهى.
كل تركيزه كان على بسكوته وقعت من ترابيزة الضيافة، وما بقاش بينها وبين إيده غير سنتيمترات.
مد صوابعه ناحيتها…
لكن قبل ما يلمسها، قربت سامية، المشرفة على الأطفال في الدار، واللي قدام الناس بتبان هادية وحنينة، لكن في الحقيقة هي اللي بتنّفذ كل العقوبات، وبتعذب الأطفال لو خالفوا أي أمر.
بهدوء شديد، زقت البسكوته بطرف جزمتها لحد ما دخلت تحت المسرح.
بعدها نزلت جنب آدم كأنها بتواسيه.
كل الناس افتكرت إنها بتطمن عليه…
لكن آدم لوحده هو اللي سمعها وهي بتهمس
أهو… كده ضيعت عشا النهارده.
وبعدها رفعت وشها، وابتسمت للكاميرات، كأنها أحن إنسانة في المكان.
على جنب القاعة، كانت ميساء، مدرسة التاريخ بتاعة آدم، والوحيدة اللي بدأت تلاحظ إن فيه حاجة غلط بتحصل معاه من شهور، واقفة بتتابع المشهد.
من أول السنة وهي مستغربة تصرفاته.
عمره ما نزل المدرسة ومعاه أكل.
ولو حد عرض عليه لقمة، يرفض فورًا… حتى لو إيده بتترعش من الجوع.
ولما الطلبة كانوا يرموا الأكل، كان يفضل باصصلهم كأنه شايف كنز بيتضيع.
كل مرة كانت تسأله
إنت بتاكل كويس في البيت؟
كان يرد بنفس الجملة… بنفس النبرة… كأنه حافظها
أنا ساعات مبعرفش أحس بالجوع بسبب اللي عشته قبل ما أجي الدار.
كل مرة كانت ميساء تحس إن الجملة دي متلقنة.
ممرضة المدرسة كشفت عليه، وقالت لازم يروح المستشفى.
لكن نهى ضحكت وقالت
إحنا عاملين له كشف شامل من كام يوم… هو بس بيتوتر لما الناس تهتم بيه زيادة.
آدم ما نطقش.
ولا واحد من الأطفال الستة فتح بقه.
بعد انتهاء الحفل، وقفت نهى تتصور مع المسئولين.
وكانت مسنّدة آدم بإيدها.
ومن غير ما تحرك شفايفها، همستله
ابتسم… متخلّيش الناس تفتكر إني قصرت معاك.
الفلاش ضرب.
وآدم… ابتسم.
بعد حوالي ساعة…
ميساء لقيته قاعد لوحده في الفصل.
شنطته على الأرض.
وإيده مستخبية تحت الديسك.
قالتله
نهى وسامية مستنيينك بره.
قال بهدوء
عارف.
بقيت أحسن؟
هز راسه.
قفلت باب الفصل، لكنها سابت الإزاز مكشوف.
وبعدين قالت
إنت وقعت من الجوع… صح؟
آدم بص ناحية الباب، وسألها
لو طفل قال لحضرتك الحقيقة… وكل الكبار قالوا إنه كداب عشان نفسيته تعبانة… هتصدقي مين؟
ميساء قربت الكرسي.
وقالت
هسمع كلام الطفل.
حتى لو الناس دي مشهورة إنها بتنقذ الأطفال؟
برضه هسمع الطفل.
حتى لو كل البلد بتحبهم؟
بصتله في عينه وقالت
برضه.
ساعتها طلع من تحت البلوفر كشكول أحمر صغير، متبهدل من كتر الاستخدام.
وحطه قدامها.
لكن قبل ما تمد إيدها…
باب الفصل اتفتح.
كانت سامية.
الغريب إنها ما كانتش متعصبة.
وده خلا ميساء تقلق أكتر.
قالت بابتسامة
آه… أهو لاقيناك.
آدم سحب إيده بسرعة.
دخلت سامية وحطت إيديها على كتفه.
وقالت
إحنا مسافرين الليلة… رحلة عائلية كده. الأطفال محتاجين يغيروا جو.
سألتها ميساء
وهيرجعوا إمتى؟
ابتسمت وقالت
لسه مقررنّاش.
آدم بص لميساء.
ولأول مرة، الابتسامة اللي متعود يرسمها اختفت.
اللي شافته في عينيه…
ماكانش كسوف.
كان رعب.
سامية أخدته وخرجت.
وأثناء ما هو معدي جنب مكتب ميساء، وقع رزمة ورق على الأرض كأنه بالغلط.
سامية اتأففت وكملت.
ميساء انحنت تلم الورق.
ولما بصت…
الكشكول الأحمر اختفى.
دورت تحته… ملقتوش.
فتحت درج المكتب السفلي…
لقته مستخبي جواه.
لما نزلت تجري على باب المدرسة، كانت العربية ال البيضا بتاعة الدار خرجت بالفعل.
الشنط كانت مربوطة فوق السقف.
وجراكن بنزين متثبتة ورا.
الست أطفال قاعدين ساكتين ورا الإزاز الفاميه.
سامية هي اللي كانت سايقة.
ونهى كانت ماسكة موبايلها وبتصور الرحلة وهي مبتسمة.
ميساء فضلت واقفة لحد ما العربية اختفت.
رجعت الفصل بسرعة.
وفتحت الكشكول.
أول صفحة كان مكتوب فيها
لو وصل الكشكول ده ليكي… يبقى هما خدونا قبل ما أقدر أحكيلك كل الحقيقة.
الصفحات اللي بعدها كانت مليانة تواريخ، وعقوبات، وأوزان الأطفال أسبوع بأسبوع.
سارة، بنت من الأطفال اللي في الدار، اتحرمت من عشا يومين لأنها طلبت رغيف عيش من الجيران.
ملك، طفلة تانية في الدار، اتحرمت من الفطار لأنها عيطت أثناء التصوير.
يوسف، واحد من الأطفال، خلوه ينام في طرقة البيت لأنه قال للدكتور إنه حاسس بدوخة.
وجنب كل عقوبة…
كان فيه دايرة سودا صغيرة.
ميساء قلبت
لمحة نيوز

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *