متقلقيش هنضحك عليها زى كل مره

حين دخلت، وجدت المشهد مُعدًا بإتقان والدها محمود يجلس بوضعية تعبر عن الهم، ووالدتها نادية تتمدد على الأريكة بملابس المستشفى التي أحضرتها دينا، بينما دينا نفسها كانت تتظاهر بالبكاء الهادئ في زاوية الغرفة.
بمجرد أن رأت مريم العائلة، أدركت أنهم لم يتركوا تفصيلة للصدفة. حتى رائحة المطهر كانت تعبق في المكان، وكأنهم رشوه لتكتمل التمثيلية.
قالت مريم وهي تجلس في مواجهتهم، ونظراتها حادة كالمشرط
أنا فكرت في موضوع العملية يا ماما. طبعًا، صحتك بالدنيا، ولو محتاجة 3 مليون، فهم جاهزين.
ساد صمت مريب في الغرفة. تبادلت نادية ومحمود نظرة سريعة، نظرة طمع ممزوجة بالارتباك، وكأن المبلغ الذي كانوا يطمحون إليه قد جاء أسهل مما توقعوا.
تابعت مريم بنبرة هادئة
لكن بما إن المبلغ كبير جداً، وعشان أكون مطمنة، قررت إني هحول الفلوس لحساب المستشفى مباشرة. قولي لي اسم الدكتور واسم المستشفى، وهبعت السكرتارية الخاصة بشركتي تخلص كل الإجراءات المالية غداً صباحاً.
شحب وجه دينا، وقالت بتلعثم
لا.. لا يا مريم. المستشفى بتطلب الفلوس كاش في الحساب الشخصي لمدير المركز، هو صديق بابا وهو اللي هيعمل العملية بنفسه، مش عايزين تعقيدات إدارية وضرائب ومصاريف إضافية.
ابتسمت مريم ابتسامة باردة
لا تقلقي يا دينا. أنا في منصبي الجديد، اتعلمت إن العقود والتحويلات الرسمية هي اللي بتحمينا. مش ممكن أغامر ب 3 مليون جنيه من غير إيصال رسمي من المستشفى.
الفصل الثالث فخ الكبرياء
بدأت الأسرة تشعر بأن الأمور بدأت تخرج عن سيطرتهم. حاول محمود التظاهر بالڠضب
إنتِ بتشكّي فينا يا مريم؟ إحنا أهلك! إحنا اللي ربيناكي!
قامت مريم ووقفت وسط الغرفة، وقالت بصوت قوي
أنا سمعتكم يا بابا. سمعت كل كلمة قلتموها ورا الباب. سمعت كيف ضحكتم على خالتك سعاد، وكيف بعتم كرامتي وكرامتكم عشان شنطة وشوية مظاهر. أنا كنت البقرة الحلوب اللي بتغذي طمعكم، بس المرة دي، أنا اللي بوزع الأدوار.
تجمد الجميع في أماكنهم. لم يجرؤ أحد على الكلام. كانت الصدمة أكبر من أن يستوعبوها.
تابعت مريم
معايا تسجيل لكل اللي قلتوه. ومعايا كشف حساب بكل المبالغ اللي خدتوها مني بغير وجه حق في ال 5 سنين اللي فاتوا. أمامكم خياران لا ثالث لهما إما أن تعيدوا كل قرش أخذتموه مني ب الحيلة وإلا سأقدم بلاغاً للشرطة بالڼصب والاحتيال، ومعي الأدلة والشهود، أو أن ننهي علاقتنا للأبد، وأترككم تواجهون ديونكم ومصالحكم لوحدكم.
الفصل الرابع التفكك
حاولت دينا أن تصرخ، لكن مريم قاطعتها
دينا، ديونك 3 مليون جنيه. أنا عارفة إنها قروض استهلاكية مش ڼصب دولي. لو دخلتِ السچن، لن ينقذكِ أحد. أنا الوحيدة اللي بيدي أطلعك. والدي، معاشك ومعاش ماما مش هيكفي مصاريفكم لو قاطعتكم. فكروا بذكاء.
قضت مريم الأيام التالية في التطهير. لم تكتفِ بالټهديد، بل بدأت بالفعل في رفع دعاوى قضائية لاسترداد ما يمكن استرداده. اكتشفت أن دينا
قد ورطت اسم مريم في بعض القروض بفضل سرقتها لبياناتها الشخصية سابقاً، مما اضطر مريم للاستعانة بمحامٍ دولي لغلق هذه الثغرات وتبرئة ذمتها.
في الأسابيع التالية، اڼهارت الجدران. محمود اضطر لبيع سيارته التي اشتراها بمال مريم ليدفع جزءاً من ديون دينا. نادية وجدت نفسها وحيدة، تضطر للعمل في وظيفة بسيطة لأول مرة في حياتها لأن مريم قطعت عنها التمويلات الإضافية.
الفصل الخامس الحياة الجديدة
بعد مرور 6 أشهر، مريم تعيش الآن في شقة أحلامها، في منطقة هادئة بعيدة عن مدينة نصر. لم تعد تزور بيت العائلة. قطعت التواصل تماماً مع دينا، أما والداها، فكانت تتواصل معهما من خلال المحامي فقط لدفع مبلغ رمزي شهري، ليس حباً، بل التزاماً منها بألا يقعوا في فقر مدقع، لكي لا يضطروا للجوء لأعمال إجرامية أخرى.
تعلمت مريم درساً قاسياً أن الډم ليس دائماً هو الرابط الأقوى، وأن الأشخاص الذين من المفترض أن يحمونا، قد يكونون أحياناً هم أكثر من يحتاج الحماية منهم.
وقفت مريم في شرفتها، تنظر إلى أضواء القاهرة، وشعرت لأول مرة في حياتها بالحرية الحقيقية. لم تكن تشعر بالذنب، لأنها أدركت أن أكبر هدية قدمتها لهم هي الحقيقة. فالحقيقة وإن كانت مؤلمة، فهي الوحيدة القادرة على كسر دائرة الكذب التي حبسوا أنفسهم فيها.
أغلقت مريم الباب على ماضيها، وأشعلت شمعة جديدة في بيتها، ليس تورتة هذه المرة، بل بداية لحياة لا أحد فيها يقرر عنها، ولا أحد فيها يضحك عليها، حياة ملكها هي وحدها.
النهاية.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *