كيكه الدهبي ج٢ منى السيد
الفصل الرابع
الرزع على الباب كان بيهز الحيطان، وصوت رجالة خشنة برة بيصرخوا:
* “افتحي يا بتاعة التورت! افتحي بدل ما نكسر الباب على دماغكم! ابنكم الحرامي مستخبي جوة، افتحوا!”
كريم كان مكلبش في دراعي من ورا ضهري وجسمه كله بيتنفض زي الفرخة المبلولة. كان بيوشوشني برعب وعياط:
* “سارة.. متفتحيش.. قولي مش هنا.. والنبي يا سارة هيموتوني بجد!”
بصيتله بقرف حقيقي ونفضت إيده من عليا بكل قوتي، وزقيتُه لورا لدرجة إنه اتطوح على الكنبة. في اللحظة دي، مكنتش شيفاه خطيبي ولا البني آدم اللي كنت بتمناه؛ كنت شيفة كائن جبان، نذل، رما بلاه عليا ومستعد يدمر سمعتي وسمعة عيلتي عشان ينجد بجلده.
ماما كانت واقفة في وسط الصالة، ملامحها اتغيرت تماماً. الخوف اتلاشى وظهر مكانه غضب الأمهات الصعيديات لما حد يمس شرف بيتها وبنتها. راحت على المطبخ وجابت مقشة خشب تقيلة ووقفت ورا الباب. بصتلي وقالت بصوت قوي وواضح:
* “افتحي الباب يا سارة.. واليوم ده مش هيعدي غير لما كل واحد يعرف مقامه وحقيقته.”
مديت إيدي وأنا قلبي بيدق في راسي كأنه طبول حرب. فتحت الترباس، وبمجرد ما لفت الأكرة، الباب اتزق بقوة لدرجة إني رجعت خطوتين لورا.
دخل تلات رجالة شكلهم يخوف، وفي وسطهم كان جوز خالته، راجل ضخم وشه أحمر وعروقه بارزة من الغضب. أول ما شاف كريم مستخبي ورا الكنبة، صرخ بزئير:
* “أهو الحرامي أهو! بقى بتستخبى في بيت نسوان يا كريم يا بن الـ… بعد ما سرقتنا ونصبت علينا؟”
واحد من البلطجية اللي معاه قرب يشد كريم من قفاه، لكن ماما وقفت في النص ورفعت المقشة في وشه وقالت بصوت زلزل الشقة:
* “الخطوة بـ رقبتك يا راجل منك ليه! إنت فاكر نفسك داخل زريبة ولا بيت ناس شرفا؟ الزم حدودك واقفل بوقك إنت وهو!”
جوز خالته بصلها بغيظ وقال:
* “يا ست إنتِ.. إحنا مش جايين نتخانق معاكِ.. ابن أختك النصاب ده خد من مراتي ١٥ ألف جنيه بـ حجة الخامات والشغل اللي بنتك سارة هتعمله.. ولما اتزنق قال إن الفلوس معاها! إحنا جايين ناخد حقنا، يا الفلوس ترجع حالاً يا هناخد الواد ده نفرمه ونوديه القسم بـ فضيحة.”
هنا أخدت نفس عميق، وخطيت خطوة لقدام، وبصيت لجوز خالته في عينه بكل ثبات، وقلت بصوت عالي وواضح عشان الجيران اللي واقفين على السلم وباصين من المناور يسمعوا:
* “الفلوس مش معايا يا عمي.. ولا شفت منها مليم واحد!”
جوز خالته برق عينه وقال بحدة:
* “يعني إيه؟ خطيبك كداب؟”
بصيت لكريم اللي كان بيبصلي بـ نظرات رجاء ذليلة كأنه بيشاورلي بعينه “أبوس إيدك شيليني”. لكن الوجع والإهانة اللي حسيت بيهم لما قالي “مادية” ولما عايرني بالـ ٢٠٠ جنيه بتوع أمي، صلبوا قلبي.
وقفت بثقة وقلت:
* “كريم جالي من يومين، وحط في إيدي ٥٠٠ جنيه بس! وقاللي ده عربون تورتة دورين.. وأنا كنت لسه بدرس الموضوع وموافقتش أصلاً.. الـ ١٥ ألف جنيه دول أنا معرفش عنهم حاجة، ولا طلبتهم، ولا شوفت شكلهم.. كريم أخد الفلوس منكم عشان يسدد شيكات قديمة عليه ومزنوق فيها، وجاي دلوقتي يلبسني القض*ية عشان يحمي نفسه!”
جوز خالته لف لكريم وعينه بتطلع شرار:
* “بقى كدة يا بن الـ…؟ بتتبلى على خطيبتك وتلبسها سرقتك عشان تخلع؟”
كريم وقف بضعف وقال بصوت يترعش:
* “والله يا جوز خالتي.. أنا.. أنا كنت هرجعهملكم.. أنا بس استلفتهم عشان الراجل كان هيحبسني.. وسارة.. سارة كانت عارفة!”
صرخت فيه بغضب أعمى:
* “كنت عارفة؟ يا كداب يا حرامي! أنا عرفت من أختك نهى من عشر دقائق بس! إنت مش بس حرامي، إنت كمان معندكش ريحة الرجولة ولا الشرف! جاي تستخبى ورايا وتشيلني نصباية بـ ١٥ ألف جنيه؟”
ماما دخلت الأوضة بسرعة، وطلعت الظرف اللي فيه الـ ٥٠٠ جنيه اللي كريم سابهم عربون، والـ ٥٠٠ جنيه التانية اللي كان مرجعهم بتوع التورتة القديمة، ورمتهم في وش كريم وجوز خالته في الأرض وقالت:
* “أهي فلوسكم اهي! الـ ٥٠٠ جنيه العربون والـ ٥٠٠ جنيه بتوع تعب بنتي في التورتة الأولى.. مبروك عليكم.. وبنتنا ملهاش علاقة بالشكال دي من بكرة الصبح.. الدبلة بتاعته هتوصله لحد باب بيته.. وتاخدوا الحرامي ده وتطلعوا برة بيتنا حالاً!”
البلطجية مسكوا كريم من قفاه وهدومه اتمزعت أكتر وهو بيصرخ ويبكي:
* “سارة! حرام عليكي متعمليش فيا كدة! قولي أي حاجة! طنط أبوس رجلك!”
لكن جوز خالته زقه بقوة وخرجوا بيه على السلم وصوت زعيقهم وخناقهم مالي العمارة كلها، والجيران واقفين يتفرجوا على كريم وهو بيتداس على كرامته في الأرض، والكل عرف حقيقته وإنه هو النصاب مش أنا.
قفلت الباب وراهم بقوة، ورجعت ساندة ضهري عليه.. وحسيت كأن جبل كان كاتم على نفسي وانزاح.
ماما رمت المقشة من إيدها، وبصتلي وعينها مليانة دموع.. قربت مني وأخدتني في حضنها جامد. فضلت أعيط بحرقة.. مش عشان كريم، كريم خلاص مات في نظري.. أنا كنت بعيط على نفسي، على غبائي، على ثقتي في حد ميسواش، وعلى كدبي على أمي عشان أرضي بني آدم مستغل.
ماما طبطبت عليا وقالت:
* “الحمد لله يا بنتي إن ربنا كشفه على حقيقته دلوقتي.. قبل ما تدخلي بيته وتكتشفي نذالته وإنتِ على اسمه.. احمدي ربنا على الضربة اللي بتصحّي وتفوق.”
عدت الليلة دي بصعوبة.. مكنتش عارفة أنام من كتر التفكير.
تاني يوم الصبح، صحيت على تليفون من نهى أخت كريم. ردت بصوت باكي ومهدود:
* “سارة.. كريم اتمسك في القسم.. جوز خالتي عمله محضر نصب وخالتي مصممة تحبسه لو الفلوس مرجعتش كاملة النهاردة بالليل.. وماما بتموت ومفيش في إيدينا نعمل حاجة.. إحنا بنجمع الفلوس من طوب الأرض بس لسه ناقص ٥ آلاف جنيه.. أبوس إيدك يا سارة، ساعدينا لو معاكِ أي حاجة ذهب أو فلوس شيلاها.. كريم هيضيع بجد!”
ضحكت بسخرية ومرارة وقلت لنهى:
* “أساعده؟ بـ ذهبي اللي مجبهوش أصلاً؟ ولا بـ فلوستة اللي كنت بستلف عشان أعمل لأخته تورتة؟ قولي لأخوكِ ربنا يسهله.. المحبس ده هو المكان الصح لشخص زيه.”
قفلت السكة وأنا حاسة بـ غسيل من جوة. رحت قعدت مع ماما وفطرنا، وقررت إني هنسى الكابوس ده تماماً وأرجع لشغلي وصفحتي وأركز في مستقبلي.
لكن الكوابيس مابتنتهيش بسهولة كدة..
بعد الضهر، الباب خبط تاني. مكنش كريم طبعاً لأنه محبوس..
فتحت الباب، ولقيت واحدة ست لابسة عباية شيك جداً وواقفة وبتبصلي بنظرات حادة وغريبة.
سألت بقلق:
* “أيوة.. مين حضرتك؟”
الست ابتسمت ابتسامة باردة وقالت:
* “إنتِ سارة الشيف؟ أنا بقى يبقى اسمي (سمر).. خطيبة كريم التانية اللي كان كاتب كتابها من وراكم، وجاية أقولك إن الـ ١٥ ألف جنيه دول، كريم كان واخذهم عشان يشتري بيهم شبكتي أنا!”
**تفتكري إيه المفاجأة السواد التانية اللي سمر جاية تكشفها لسارة عن حياة كريم السرية؟ وهل سارة هتقدر تستحمل الصدمة دي ولا هتنهار؟**