اشتريت خمستاشر كيلو لحمه
لمحة نيوز
وبدأ يحط أحسن حتت اللحمة.
الريش.
والأنتركوت.
والكفتة.
كلها بتدخل العلب.
واحدة ورا التانية.
الكلام في الجنينة وقف.
الحاج محمود اتجمد مكانه.
ندى وهي بتملا العصير وقفت.
ومي نزلت الشوكة من إيديها.
وأنا…
ببص لابني.
ابني الوحيد.
واقف بيعبّي علب ناس، من أكل أنا اللي اشتريته، وأنا اللي طبخته، وأنا اللي عزمتهم عليه.
أكل…
أنا أصلًا ما عرضتش عليهم ياخدوه.
هما قرروا من نفسهم إنه حقهم.
في اللحظة دي فهمت حاجة.
لو سكت…
يبقى أنا اللي علمتهم إن بيتي مالوش صاحب، وإن كرمي معناه إن أي حد يعمل اللي هو عايزه.
مشيت لحد الترابيزة.
وقفت جنب كريم.
بصيت للعلب اللي اتمليت بأغلى حتت اللحمة.
وقلت تلات كلمات بس…
“رجّعها مكانها.”
وفجأة…
الجنينة كلها سكتت.
كانت الجملة بسيطة…
“رجّعها مكانها.”
لكن وقعها كان أقوى من أي صريخ.
كريم فضل ماسك الملقاط في إيده، وبصلي كأنه مستني أضحك وأقول: “بهزر.”
ما ضحكتش.
بصيتله تاني وقلت بهدوء: ـ سمعتني يا كريم… رجّع كل حاجة مكانها.
ياسمين قامت من على الكرسي بسرعة وقالت وهي بتحاول تضحك: ـ يا طنط… إحنا كنا بناخد البواقي بس.
قلت: ـ بواقي؟ العزومة لسه مخلصتش من عشر دقايق… وفي ناس لسه بتشرب الشاي. إمتى بقت دي بواقي؟
سعاد عقدت دراعاتها وقالت بنبرة مستفزة: ـ يعني هو إحنا غرب؟ ما إحنا أهل.
ابتسمت لأول مرة من أول اليوم.
قلت: ـ بالظبط… ولأنكم أهل، المفروض تستأذنوا. مش تدخلوا بعلب فاضية من باب البيت وكأنكم داخلين مخزن تموين.
بدأت الهمهمات بين الضيوف.
ندى بصت في الأرض عشان ما تضحكش.
أما الحاج محمود، فكان واقف ساكت، لكنه لأول مرة من سنين حسيت إنه مستني أشوف هعمل إيه.
كريم اتوتر وقال: ـ يا أمي… دي مجرد لحمة.
لفيت وبصيتله.
ـ لأ يا كريم… دي مش مجرد لحمة.
دي احترام.
ودي حدود.
ودي أم صرفت من تعبها أكتر من اتناشر ألف جنيه عشان تفرحكم، مش عشان تفتح محل توزيع مجاني.
وش ياسمين احمر.
قالت بعصبية: ـ يعني حضرتك بتعايرينا؟
قلت: ـ لو كنت بعايركم، كنت قلت من أول ما دخلتوا بإيدكم الفاضية.
لكن أنا سكت.
ولما صورتِ الأكل ونسبتيه لنفسك… سكت.
ولما انتقدتِ كل لقمة وأنتِ بتاكلي منها… سكت.
لكن لما قررتوا تاخدوا رزقي من غير حتى كلمة “ينفع؟”… هنا السكات بقى إهانة لنفسي.
سعاد خبطت العلبة على الترابيزة وقالت: ـ والله إحنا عمرنا ما شفنا بخل كده.
هنا…
الحاج محمود اتحرك.
قرب منها وقال لأول مرة بصوت عالي:
ـ البخل… إنك تيجي عزومة من غير حتى طبق سلطة، وتخرجي منها بوجبات أسبوع كامل.
الجنينة انفجرت ضحك.
سعاد اتكسفت، لكن حاولت تداري وقالت: ـ إحنا كنا بنحافظ على النعمة.
ردت عليها مي بهدوء: ـ الحفاظ على النعمة يبدأ إن الواحد ما ياخدش حاجة مش بتاعته.
كريم بدأ يحس إن كل العيون عليه.
حاول يلم العلب بسرعة.
قلتله: ـ افتحهم.
فتح أول علبة.
رجع الريش.
التانية.
رجع الأنتركوت.
التالتة.
رجع الكفتة.
لحد ما كل حاجة رجعت مكانها.
كنت فاكرة الموضوع خلص.
لكن المفاجأة كانت في آخر اليوم.
بعد ما الضيوف مشيوا…
الحاج محمود دخل البيت، وطلع ملف قديم من الدرج.
قال: ـ يمكن جه الوقت.
بصيتله باستغراب.
طلع ورقة مكتوب فيها عقد ملكية البيت.
وقال قدام كريم:
ـ البيت ده باسم أمك.
من يوم اشتريناه.
مش باسمي.
ولا باسمك.
لأنها هي اللي باعت دهبها زمان عشان ندفع مقدم البيت.
كريم وشه اصفر.
واضح إنه أول مرة يعرف الحقيقة.
أما ياسمين…
فسألت بسرعة:
ـ يعني… البيت مش هيتكتب لكريم؟
الحاج محمود ضحك ضحكة صغيرة وقال:
ـ اللي يفتكر إن بيت أمه مخزن ياخد منه وقت ما يحب… يبقى لسه ما اتعلمش يعني إيه مسؤولية.
الصمت رجع تاني.
لكن المرة دي…
كان صمت صدمة.
بعد أسبوع، كريم جه لوحده.
من غير مراته.
قعد قدامي ساعة كاملة.
وأول مرة من سنين، مسك إيدي وقال:
ـ حقك عليا يا أمي.
أنا كنت كل مرة بسكت علشان أتجنب المشاكل… وفي الآخر بقيت بظلمك.
قلتله:
ـ أنا مش زعلانة عشان اللحمة يا كريم.
أنا زعلانة لأنك شفت حد بيتصرف في بيت أمك كأنه صاحب البيت… وإنت كنت واقف تساعده.
نزل راسه.
وقال:
ـ سامحيني.
سامحته…
لكن قلتله جملة عمره ما نسيها:
ـ الكرم أخلاق…
لكن من غير حدود… بيبقى دعوة مفتوحة لقلة الأدب.
ومن يومها…
العزومات ما وقفتش.
لكن بقى ليها قاعدة جديدة.
اللي يدخل بيتي يدخل مرحب بيه.
واللي يحب ياخد حاجة من بيتي…
يسأل الأول.
الغريب إن أكتر واحدة اتضايقت من القاعدة دي…
ما حضرتش بعدها ولا عزومة.
أما باقي العيلة…
فقالوا إن أول مرة من سنين يحسوا إن العزومة كانت فيها احترام أكتر من الأكل.
وساعتها بس…
عرفت إن أصعب كلمة ممكن يقولها الإنسان أحيانًا…
مش “اتفضل”.
لكن…
“لأ.”