الدفاع الحقيقي ج1 منال علي

الجزء الاول
«إنت بجد كان عقلك فين وإنت بتفكر التفكير ده؟ كنت متخيل يعني إني هفرح وأتبسط وأفرح لما أرجع من طحن الشغل ألاقي والدتك معسكرة في الصالة بشنطتها وشبشبها، وصينية السينابون محطوطة على الترابيزة وكأنها بتعلن ملكيتها للمكان؟ كنت متوقع مني مثلًا آخدك بالأحضان وأشكرك على “دفا البيت” اللي دمرلي هدوئي؟»
قفلت ياسمين لاب توبها بعنف بعد ما سيّفت ملف آخر تصميم كانت شغالة عليه بقالها ساعات. رجعت بضهرها لورا وسندت على الكرسي وهي حاسة إن ضهرها مهدود، وعنيها بتزغلل من كتر البص في الشاشة. حصري على صفحه روايات واقتباسات
من تلات سنين بالتمام والكمال، الشقة الواسعة دي—اللي نقوا كل تفصيلة فيها سوا—كانت هي ملاذها الهادي، حصنها اللي بتهرب فيه من زحمة الدنيا. المكان اللي كانت بتدخل فيه جو الشغل على سماع مزيكا الرصاص وأغانيها المفضلة وهي شغالة في الخلفية، ومحدش بيقطع خلوتها. حكايات منــال عـلـي
لكن دلوقتي؟ الوضع اتقلب ١٨٠ درجة، ومبقاش فيه أي مكان للهدوء.
في الناحية التانية من الأوضة، كان احمد قاعد على السفرة، غرقان وسط كومة دفاتر بتوع الطلبة بتوعه، بيصحح بهدوء وبرود مستفز، يقلب صفحة ورا صفحة، وكأنه عامل لنفسه عازل عن العالم وعن نظراتها.
— لسه يعني ناوية تكملي شغل لحد دلوقتي؟ مش كفاية كده؟
سألها احمد من غير حتى ما يكلف نفسه يرفع عينه من وسط الدفاتر.
— ورايا مشروع تسليم وترقيع لازم يخلص بالدقيقة النهارده. بكرة الصبح العرض النهائي مع العميل، ومفيش مجال للغلط.
رفع عينه وبصلها للحظة طويلة.
التعب والإرهاق كانوا محفورين تحت عينيه، بس مكنش تعب شغل… كان فيه حاجة تانية أعمق، عتاب قديم ومكتوم مبيطلعش، بس بقى جزء أساسي من ملامحه وتعبير وشه كل ما يبص لها.
— فاكرة زمان… لما كنا بنقعد نحلم ونخطط إزاي هنتعشى سوا كل يوم في نفس الميعاد ونحكي تفاصيل يومنا؟
مردتش عليه. اتجهت ياسمين ناحية الشباك الكبير عشان تهرب من نظرته.
أنوار القاهرة الساهرة كانت بدأت تلمع وتفرش في الشوارع، والعربيات تحت متكدسة وماشية ورا بعضها كأنها خطوط من النور الطويلة اللي مابتخلصش. تنهدت وبقت باصة للفراغ.
— وإحنا لسه مع بعض يا احمد، متأخرناش يعني. كل واحد فينا بيسحل نفسه في شغله عشان نكبر، وفي الآخر بنبقى تحت سقف واحد وبندعم بعض، ولا إنت شايف إيه؟
تنهد احمد تنهيدة طويلة ومحبطة، ورمى القلم من إيده وقال:
— أيوه يا ياسمين… بس ساعات، بل في معظم الأوقات، بحس إن البيت ده ناقصه حاجة كبيرة أوي. حاجة أساسية.
التفتت له بالراحة، وربعت إيديها وهي بتبص له بنظرة متفحصة:
— ناقصه إيه يا احمد؟ قصرنا في إيه تاني؟
— مش عارف أحدد بالظبط… يمكن دفا؟ روح مكان بجد؟ ريحة أكل بيتي وطبيخ طالع من الفرن يملى الشقة، أغاني قديمة شجية شغالة في الهدوء، تفاصيل دافية من بتاعة زمان دي، حاجات من دي يعني.
ابتسمت ياسمين ابتسامة سخرية خفيفة ووجع، ولفت وشها:
— كلامك ده وأفكارك دي من دماغك بجد؟ ولا ده صدى صوت لكلام حد تاني إنت حافظه وجاي تسمعهولي؟
سكت احمد لحظة، وبص للدفتر اللي قدامه وتردد قبل ما يجاوب ونبرة صوته اتغيرت:
— أمي دايمًا بتقوللي إن البيت الحقيقي لازم يكون ليه روح، والست هي اللي بتصنع الروح دي، مش مجرد حيطان وأثاث مودرن غالي وخلاص.
غمضت ياسمين عنيها بقلة حيلة. عرفت فورًا إن الحديث، كالعادة، رجع لنفس النقطة الصفرية والدائرة المقفولة المعتادة اللي مابنطلعش منها.
دائرة المقارنات اللي مابتخلصش، والنصايح المبطنة بـ “سم” اللي عمرها ما طلبتها ولا ه تطلبها.
وقبل ما تفتح بؤها وترد، كسر الصمت ده صوت رنة موبايله الزانّ.
أول ما أحمد بص على الشاشة وشاف الاسم، ملامحه اتمطت واتبدلت في ثانية، والبرود اللي كان فيه اختفى وحل محله لهفة وقلق.
رد بسرعة ومن غير تردد:
— أيوه يا أمي.. أهلاً يا حبيبتي.
لفت ياسمين وشها الناحية التانية وبصت للشباك وهي حاسة بمرارة في بقها، لأنها تقريبًا حافظة السيناريو والحوار اللي هيحصل دلوقتي كلمة بكلمة، وحرف بحرف.
— عامل إيه يا قلب أمك؟ طمني عليك وعلى صحتك وأكلك؟ كويسة؟
— الحمد لله يا أمي في فضل ونعمة. إنتِ طمنيني عنك؟ عاملة إيه النهارده؟
— تعبانة ومتبهدلة أوي يا ابني. من يوم العملية المشؤومة دي وأنا مش قادرة أصلب طولي ولا أقف على رجلي دقيقة واحدة.
انحنى احمد بضهره لقدام، وبان عليه الفزع والقلق المبالغ فيه:
— مالك بس يا أمي؟ في إيه جديد تعبك؟
— جسمي كله مهدود وبيوجعني يا ابني.. وحاسة إني بقيت تقيلة على الدنيا وعلى الناس، ومبقاش ليا لازمة..
غمضت ياسمين عنيها وضغطت عليهم جامد وهي بتسمع الأسطوانة.
نفس الشكوى اللي بتتكرر كل يومين.
نفس النغمة الحزينة.
ونفس أسلوب الابتزاز العاطفي والشعور بالذنب اللي بيتزرع في قلب كريم وعقله مع كل مكالمة، عشان يفضل دايماً حاسس إنه مقصر.
— متقوليش كده يا أمي أرجوكي، إنتِ بركة حياتنا.
— هقول إيه بس يا حبيبي؟ ما أنا قاعدة بطولي ومحدش سائل فيا ولا حاسس بناري..
واستمر الحوار والشكاوى شغالين في الموبايل، في حين كانت ياسمين واقفة في مكانها زي الصنم، باصة لبرة وحاسة إن بيتها، ومملكتها اللي تعبت فيها، بيبعدوا عنها وبيتسحبوا من تحت رجليها خطوة خطوة كل يوم… ومبقاش عندها طاقة
للمواجهه ووووو……..
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *