ما تبطلي رغي بقى ج٢ منى السيد
الجزء الثاني 👇🏼
دخل أحمد البيت وهو شايل تلات شنط كبار، وراه أمه بتتحرك في الصالة وكأنها بتستعرض أملاكها. بتبص على الفرش، تعدل فازة، وتمسح بصباعها على الترابيزة عشان تشوف في تراب ولا لأ، وكل ده وأنا واقفة في مكاني.. متجمدة.
الزقة اللي أحمد زقهالي عشان يعدي أمه، ما وجعتش كتفي، دي شرخت حاجة جوايا كنت فاكراها مابتتكسرش.
“شايف يا أحمد؟” صوت حماتي رن في الشقة وهي بتفتح ثلاجتي وتفتش فيها. “سايبالك البيت يضرب يقلب، وال تلاجة مفيهاش لقمة تفتح النفس.. أنا مش عارفة فلوسك بتروح فين يا ضنايا! لو كنت بتديهملي أشيلهملك كان زمانا اشترينا التمليك من زمان.”
أحمد حط الشنط في الأرض، ومسح عرق جبينه وبصلي بنظرة لوم عاتبة، وكأني أنا المجرمة اللي مقصرة في حق ابنه البار. “معلش يا ماما، تلاقية الشغل بس واخدها.. ادخلي إنتي ارتاحي في أوضتنا عقبال ما نجهز العشا.”
أوضتنا؟! الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. بصيت لأحمد بذهول وقبل ما أنطق، كانت أمه سبقتني ودخلت الأوضة، وسمعت صوت السوستة بتاعة شنطتها وهي بتتفتح.
لفيت لأحمد وسألته بصوت واطي ومبحوح من الصدمة: “أوضتنا يا أحمد؟ أمك هتقعد في أوضتنا إحنا؟”
أحمد نفخ بضيق ولفت إيده حوالين وسطه وقال بنبرة خالية من أي إحساس: “جرى إيه يا نادين؟ أمي ست كبيرة وتعبانة، مش هتعرف تنام على الكنبة في الصالة.. وبعدين كلها أسبوعين تلاتة، إيه الأنانية دي؟”
“أنانية؟!” صوتي طلع غصب عني عالي. “أنا الأنانية يا أحمد؟ اللي بقالي سنتين ببلع الإهانات والتلغيم في الكلام عشان المركب تمشي؟ اللي مستحملة إن أمك بتتحكم في لبسي وأكلي وشكلي ومواعيد خروجي؟ ودلوقتي جاية تاخد سريري وأوضتي اللي هي الحتة الوحيدة اللي برتاح فيها.. وبتقولي أسبوعين تلاتة كأنه يومين؟!”
في اللحظة دي، الباب بتاع الأوضة اتفتح، وخرجت الحاجة أم أحمد وهي لابة عباية البيت بتاعتها، وبصتلي وعينيها بتطق شرار: “جرى إيه يا ست هانم؟ بتعلي صوتك على ابني في بيته؟ وماله سريرك يا اختي؟ يكونش مدهب وأنا معرفش؟ أنا سيبتلك الشقة كلها وداخلة أنام في حتة مترين في مترين، وبرضه مش عاجب.. لو مش عاجبك يا حبيبتي، بيت أبوكي مفتوح، روحي ارتاحي فيه الكام أسبوع دول وسيبيني أخدم ابني!”
أنا بصيت لأحمد، كنت مستنية، مجرد أمل صغير، إنه يقولها “لا يا ماما دي كبرت”، إنه يقولها “ده بيت نادين برضه”.. لكن أحمد عمل اللي صدم الصدمة نفسها.
بص للأرض، وبعدين بصلي وقال بجفاء: “بقولك إيه يا نادين، أمي خط أحمر. لو مش هتعرفي تحترمي وجودها وتشيليها في عينك الشوية دول.. فعلاً، روحي اقعدي عند مامتك كام يوم لحد ما تهدي، وأنا هعرف أتصرف هنا.”
الجملة دي قطعت آخر حبل كان رابطني بالبيت ده وبالراجل ده. الحصن اللي كنا بنضحك ونقول ملوش باب، طلع فعلاً ملوش باب.. لأنه كان مجرد بيت من ورق، وأول هبة ريح طيرته.
بصيت ليهم هما الاتنين، لقيتهم واقفين كتف في كتف، كأنهم هما أصحاب البيت وأنا الغريبة، الدخيلة اللي مهددة استقرارهم.
دموعي اللي كانت محبوسة نشفت فجأة. دخلت الأوضة بكل هدوء، وحماتي واقفه تتابعني بعينها بابتسامة نصر. طلعت شنطة هدوم صغيرة، لميت فيها كذا طقم وحاجاتي الأساسية، وقبل ما أقفل السوستة، قلعت دبلتي.. الدبلة اللي أحمد حفر عليها اسمه ووعدني يومها إنه هيكون سندي.
خرجت الصالة، حطيت الدبلة على الترابيزة قدام أحمد. وشه اتقلب والدم هرب منه لما شافها، وحاول يمسك إيدي: “نادين.. إنتي بتعملي إيه؟ بلاش جنان!”
شيلت إيده من على كتفي بنفس البرود اللي زقني بيه من شوية، وبصيت في عينه وقبل ما أفتح باب الشقة وأمشي، قلتله كلمة واحدة:
“الشقة دي إيجار جديد يا أحمد.. بس خسارتي فيك هي اللي كانت كاش وتمليك. خليك مع مامتك، وشوف مين فيكم اللي هيعرف يبني الحصن التاني.”
نزلت السلم ووووو
يتبع