جوزي مراهق ج٢ اماني السيد

شفت لمعة غريبة في عينيها.. لمعة تحدي كانت غايبة من الصبح. مسحت دموعها بـ إيدها بـ عزم، وقالت لي: *”حاضر يا ماما.. هعمل له بلوك، ومحدش في الدرس هيعرف يفتح بقه معايا تاني.. أنا هقعد على الكتاب ده ومش هقوم غير وأنا جايبة المجموع اللي يرفع راسك أنتِ بالدنيا كلها”*.

بستها من راسها وقمت، وأنا حاسة إن الحمل اللي كان على كتافي خف شوية. سيبتها ورجعت الصالة، الموبايل كان مطفي ومظلم بعد البلوك.. الهدوء رجع للبيت، بس المرة دي مكنش هدوء حزن، كان الهدوء اللي بيسبق العاصفة.. العاصفة اللي هتعلم أبوها إن الله حق، وإن شقا زينات مش هيروح الأرض أبداً.

فاتت الأيام والأسابيع، والبيت اللي كان كله عياط وخوف، اتقلب لـ معسكر حرب. مفيش صوت بيطلع منه غير خروشة تقليب ورق الملازم، وتكة القلم وهو بيحل المسائل، وصوت كباية الشاي وهي نازلة على المكتب في نص الليل عشان تصحصحها.

بنتي كانت بتقعد بالـ ١٢ ساعة مبتشيلش عينها من على الكتاب.. ساعات كنت أدخل عليها ألاقي عينيها مغرقة وشها من التعب والضغط، بس دايماً كانت تمسح دموعها بسرعة قبل ما ألمحها، وتبتسم لي نص ابتسامة وتقول: “أنا كويسة يا ماما.. متخافيش، هانت”.. كنت بشوف في عينيها غِل وتحدي عمره ما كان لبنت في سنها، غِل مخلّيها بتاكل الكتب أكل عشان تثبت لنفسها وللدنيا كلها إننا مش قليلين.

أما أبوها.. فـ البلوك اللي عملناه كان زي السد العالي اللي حمانا من قرفه. بس طبعاً، الكلام كان بيوصلني غصب عني من طوب الأرض.. الناس مبترحمش! جارتنا أم محمد لمتني في السوق وقالت لي بنبرة حشرية: “شفتي يا زينات؟ جوزك نزل صور جديدة وهو مسفرها شرم الشيخ وجايب لها طقم دهب لوز اللوز، والناس كلها مقلوبين عليهم”.. بصيت لها ببرود من فوق لتحت وقولت لها: “يسافر ولا يولع.. المطرح اللي يروح ميرجعش، إحنا ورانا ثانوية عامة ومستقبل بنتي بالدنيا وما فيها، سيبك من الكلام الفاضي ده وشوفي وراكِ إيه”.

سبتها ومشيت وأنا راسي في السماء، بس جوايا كنت بقول: “اشبع بيها يا خويا.. بكرا الفلوس تخلص والمظاهر تروح، وتعرف مين اللي شالتك ومين اللي جاية تتبغدد بقرشك”.

وفي يوم.. الباب خبط. فتحت لقيت حماتي واقفة، بقالها شهور مأعتبتش البيت ولا سألت على بنتها في ثانوية عامة. دخلت ولفت وشها في الصالة وقالت بـ نبرة متجبرة: “أبو بنتك باعت المصاريف والشهرية مع السواق تحت، وبيقولك بلاش حركات البلوك دي عشان يعرف يتابع بنته ويسألها على الامتحانات”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *