جوزي بقاله سنتين بينزل كل يوم سبت منال علي
يا حبيبتي.. خلينا نتكلم
كلمة حبيبتي كانت بتلسعني زي المية المغلية. قمت من على السرير وبكل جبروت وقفت ورا الباب، فتحته ببطء. كان واقف، هدومه متبهدلة، عينيه محمّرة من العياط، وشكله منكسر مش هو شريف القوي اللي بعرفه.
دخل الأوضة بسرعة وقفل الباب وراه عشان الولاد ميسمعوش.
منى، والنبي اسمعيني.. أنا كنت غلطان، كنت في غيبوبة وبفوق منها دلوقتي. الجوازة دي كانت كابوس.. رانيا بنت يتيمة وملهاش حد، وأنا حسيت بالمسؤولية ناحيتها وتدبست، والبنت الصغيرة ملهاش ذنب..
ضحكت.. ضحكة سودا وطويلة جداً لدرجة إنه خاف وبصّ لي برعب.
تدبست؟ سنتين يا شريف! سنتين وأنت بتكذب عليّا في كل تفصيلة؟ بتكويلك قميصك بإيدي كل سبت عشان تروح تنام في حضنها؟ بتاخد مصروف عيالي وتحرمنا من الفسحة والهدوم عشان تدفعه إيجار لشقتك المخفية؟ بتقولي الشركة بتقع وهي واقفة على رجليها بس فلوسها بتروح هناك؟بقلم حكايات منال علي
أنا مقصرتش معاكم في حاجة يا منى! قالها بنبرة تبرير تقرف.
مقصرتش؟ صرخت فيه بصوت كتمته في آخر لحظة عشان الولاد. التقصير مش بس فلوس يا شريف. التقصير إني كنت بموت من السخونية وبتصل بيك عشان تلحقني وأنت كنت مشغول بتشتري لبن وحفاظات لبنتك الجديدة! التقصير إنك سرقت عمري وثقتي.. وخليتني شاكة في نفسي وفي نضارتي وفي شكلي سنتين، وأنا بقول لنفسي هو ماله مطفي وبارد معايا ليه؟ تاري الدفا كله كان في ممكان تاني!
سكت شوية، ونزل على ركبه قدامي. مسك رجلي وبدأ يبكي بحرقة
أنا مستعد أعمل أي حاجة.. هطلقها، والله هطلقها بكرة الصبح. البنت دي متلزمنيش، أنتي بيتي وأم عيالي وتاريخي كله.. متخربيش البيت يا منى. فكري في يوسف وفرح.. هنقول للناس إيه؟ هنقول للعيلة إيه بعد العمر ده كله؟
نظرت ليه وهو واقف على ركبه. في اللحظة دي، حسيت بشعور غريب.. مكنش غضب، كان زهد. الراجل اللي كنت بشوفه سندي وبطل حياتي، بقى قدامي صغير وضعيف وبلا كرامة. بيبع مراته التانية وبنته الصغيرة في لحظة خوف عشان يحافظ على مظهره قدام الناس.. وهو ده نفس الراجل اللي باعني من سنتين عشان متعة مؤقتة بقلم حكايات منال علي
اللي بيبيع مرة يا شريف، بيبيع ألف مرة قلتها بكل هدوء نزل عليّا فجأة كأنه معجزة. أنت مش هتطلق رانيا عشان خاطري.. لأنها ملهاش ذنب في جبنك وكدبك. أنت هطلقني أنا. العمارة اللي بيننا وقعت خلاص، ومستحيل أعيش تحت أنقاضها.
منى، والنبي بلاش كبر.. الطلاق هيدمر العيال! حاول يلعب على وتر الأمومة اللي دايماً بيكسر الستات.
بس المرة دي، كان الوتر قوي ومش بيتقطع.
العيال لما يشوفوا أمهم بتموت بالغيظ والقهرة كل يوم، هيتدمروا أكتر. يوسف وفرح كبروا ويقدروا يفهموا إن أبوهم اختار طريق تاني. اقف على رجلك يا شريف.. وامشي من الشقة دي.. دلوقتي بقلم حكايات منال علي
حاول يقاوح، حاول يتكلم، بس نظرة عيني كانت حاسمة لدرجة إنه سكت. لم هدومه البسيطة في شنطة صغيرة، وخرج من الأوضة وهو منكس الرأس. الولاد بصوا له باستغراب ودهشة.. بصوا للشنطة اللي في إيده، وبصوا لوشي اللي كان فيه جبروت بارد وغريب.
قبل ما يقفل الباب وراه، بصيت له وقلت
الورق اللي هناك يمضي عليه يا شريف.. الطلاق يبقى رسمي وجاهز خلال الأسبوع ده.. والشرع كاتب لكل واحد حقه.
مشي.. وقفل الباب وراه بصوت هادي جداً، كأنها نهاية لقصة بدأت من ثمانية عشر سنة مضت.
بقلم حكايات منال علي
عدت الأيام بعدها تقيلة، سودا، ومليانة أسئلة من العيلة والصحاب ليه؟ كنتوا سمن على عسل.. إيه اللي حصل فجأة؟. كنت برد بكلمة واحدة مبغيرهاش مفيش نصيب. مكنتش عايزة أشهّر بيه، مش عشان خاطره، بس عشان ولادي ميشيلوش هم فضيحة أبوهم بين الناس. هو كان جبان في الخفاء، وأنا كنت قوية في العلن بقلم حكايات منال علي
وقعت أوراق الطلاق رسمياً بعد شهر. اتفقنا على تقسيم الشقة والنفقة بما يرضي الله، بس الشرخ اللي جوه قلبي كان محتاج أكتر من مجرد ورق ومحاكم عشان يلم.
في يوم سبت، بعد تلات تشْهر من الموضوع ده، صحيت الصبح. البيت كان هادي ونور الشمس مالي الأوضة.
بصيت على مكان كوي القميص اللي على المكتب.. كان فاضي. مفيش قميص أزرق ولا أبيض محتاج يتكوي ببطء. مفيش راجل بيكدب عليّا بكلام طيب ويسيب ريحة اللافندر وبودرة الأطفال في الحمام ويمشي.
حسيت براحة غريبة ونشاط مجاليش من سنين بقلم حكايات منال علي
قمت، عملت كوباية شاي بالنعناع سخنة، ووقفت في البلكونة بتاعت شقتي. الهوا كان نضيف وبارد بس بيدخل جوا صدري ويعالج الجروح.
فهمت ساعتها إن الحقيقة مهما كانت موجعة ومرة وملغومة بالخيانة، أحسن مليون مرة من العيش في وهم جميل مبني على خيوط العنكبوت. فهمت إن الست اللي جوه الشقة دي، والطفلة الصغيرة اللي بتبكي، كانوا كل سبت بيستنوا شريف بنفس اللهفة اللي كنت بستناه بيها.. وباع الكل في الآخر عشان خوفه ومظهره بقلم حكايات منال علي
أنا منى.. عندي 41 سنة، ومطلقة بعد ثمانية عشر سنة جواز.
والنهاردة يوم السبت.. بس المرة دي، السبت بتاعي أنا لوحدي، فاضي من الكذب، مليان بالحق والسلام اللي كنت بدور عليه.