جوزي بقاله سنتين بينزل كل يوم سبت منال علي
اللي شريف بيحبها. كنت ببص على كل تفصيلة وكأني بتفرج على فيلم رعب بطلته هي أنا. صورة لشريف محطوطة في برواز خشب صغير جنب السرير بتاع البيبي. كان بيضحك فيها ضحكة عمري ما شوفتها على وشه من سنين.. ضحكة خفيفة من غير هموم الأقساط ومسؤوليات عيلتنا الكبيرة.
وفجأة، البنت خرجت من الأوضة. كانت شابة صغيرة، ممكن تكون في نص العشرينيات. شعرها ملموم بإهمال، ولابسة كاش مايوه بسيط بتاع بيت. عينيها كانت مجهدة من قلة النوم، وبمجرد ما شافتني واقفة في نص صالتها، خطواتها وقفت. الصمت اللي حصل في اللحظة دي كان مرعب.. لدرجة إني سمعت صوت عقارب ساعة الحائط البلاستيك الرخيصة بقلم حكايات منال علي
أنتي مين؟ سألتني بنبرة مخضوضة وهي بترجع لورا خطوة.
منطقتش. كنت بصّالها بجمود.. بصّيت لملامحها الناعمة، لشبابها اللي بيدبل ببطء في البيت المخفي ده. كنت بقارن بينها وبيني.. هي فيها إيه مش عندي؟ السؤال التقليدي اللي كل ست بتسأله لنفسها في لحظة خيانة.
في اللحظة دي، الباب الخارجي اتفتح بالمفتاح.
دخل شريف. كان شايل شنطة بلاستيك كبيرة فيها علب لبن الأطفال وحفاضات، وفي إيده التانية لفة عيش سخن.
يا رانيا، الصيدلية كانت زحمة أوي وبعدين…
وقفت كلماته في حلقه لما شافني. الشنط البلاستيك وقعت من إيده، وعلب اللبن اتدحرجت على الأرض بصوت معدني مزعج. وشه اتخطف.. كأنه شاف ملاك الموت واقف مستنيه. لونه بقى أصفر كأنه ورقة خريف ميتة.
م.. منى؟ نطق اسمي كأنه تعويذة محرمة.
رانيا بصت لشريف، وبعدين بصتلي، وبدأت تربط الخيوط ببعضها. نبرة صوتها الخايفة اتحولت لوجع وغضب وهي بتقولبقلم حكايات منال علي
هي دي؟ دي منى؟.. جوزي بقاله سنتين بيكدب عليّا ويقولي إنه مطلق، وإنه بس بيشوف ولاده؟ أنتي مراته الأولانية صح؟
كل الحكايات اللي كنت برسمها في دماغي عن المواجهة، والزعيق والشتيمة والخناق بالأيدي.. كله تبخر. نشفت دموعي ونشفت طاقتي كأن السخونية اللي كانت عندي من أسبوع رجعت تحرق جسمي كله.
بصيت لشريف وقلت بصوت واطي، بس واضح وقاتل
الشفت الزيادة يا شريف؟.. كل يوم سبت من سنتين؟
شريف حاول يقرب مني، إيديه كانت بترتعش وهو بيحاول يلمس كتفي
منى.. بالله عليكي اسمعيني. أنا هفهمك.. الموضوع مش كده خالص، والله الموضوع ما كده..
امشي غور من قدامي! رانيا صرخت فيه، والدموع نزلت من عينيها كالشلال. كدبت عليّا وقلتلي إنك عايش لوحدك، مخليني عايشة في الضلمة كأني عشيقة ولا خطية عاملها في حياتك.. ودلوقتي مراتك واقفة في بيتي؟
كلمة بيتي نزلت عليّا زي الكرباج. بيتها؟ بفلوسي وبصبر سنيني؟ بالقرش اللي كنا بنوفره عشان يوسف وفرح؟
مسكت شنطتي بقوة، وبحركة بطيئة محسوبة، طلعت ورق الطلاق اللي كنت كاتباه عند المحامي من كام يوم.. كنت كاتباه وأنا لسه عندي أمل ضعيف إن الموضوع كله يطلع مجرد فهم غلط أو جمعية بيدفعها من ورايا.
رميت الورق على الترابيزة، جنب علبة اللبن وعقد جوازهم الشرعي الرخيص.
الورق ده يمضي عليه يا شريف.. ويوصلي لحد البيت. مش عايزة أشوف وشك تاني.
وقعت عيني على البنت الصغيرة اللي كانت بتبكي في السرير البمبى. كانت طفلة جميلة.. ملامحها نسخة مكررة من بنتي فرح وهي صغيرة. حسيت بطعنة في قلبي. الطفلة ملهاش ذنب.. الطفلة دي ضحية كداب محترف زينا تماماً.
لفيت وضهري ومشيت. شريف جري ورايا على السلم بينادي
منى! اسمعيني بس! متمشيش كده! منى!
مبصتش ورايا. نزلت السلم بسرعة غريبة رغم إن ركبي كانت بتخبط في بعضها. خرجت للشارع، لزحمة منطقة المنيل والناس والعربيات اللي ماشية عادي جداً، كأن مفيش عوالم بتتهد بالكامل في البيوت القديمة دي.
ركبت عربيتي وقفلت الأبواب عليّا. حطيت راسي على الدريكسيون.
هنا بس.. الدموع نزلت.
دموع على العمر اللي راح. ثمانية عشر سنة من التعب، الشقى، التضحية. كنت بوفر القرش على نفسي وعلى عيالي عشان ندفع قسط الشقة وعشان هو يأسس شركته الخاصة اللي دايماً كان بيشكي إنها بتخسر.. وأثاري الخسارة كانت بتروح لبيت تاني، وحياة تانية.
سوقت العربية وأنا مش شايفة الطريق كويس بسبب الدموع. كل إشارة مرور وقفت فيها كانت بتفكرني بحاجة من عمرنا. كان بيوعدني دايماً إننا بس نعدي المرحلة الصعبة دي وهيعوضني. كنت بقوله أنا معاك على المرة قبل الحلوة يا شريف. اتضح إني كنت بشرب المرة لوحدي، وهو بيدوّق الحلوة لغيري.
وصلت البيت الساعة تلاتة العصر.
يوسف فتحلي الباب.. كان بيلعب بلاي ستيشن في الصالة، وفرح الصغيرة كانت بتذاكر.
ماما؟ أنتي كنتي فين؟ تلفونك كان مقفول يوسف سألني بدون ما يرفع عينه من على الشاشة.
مفيش يا حبيبي.. كنت بشتري شوية حاجات للبيت وتلفوني فصل شحن.
حاولت أخلي نبرة صوتي طبيعية على قد ما أقدر. دخلت الأوضة وقفلت الباب بالمفتاح. ارتميت على السرير.. السرير اللي كنا بنتشارك فيه كل حاجة. حسيت بالغثيان من ريحة الملايات، من هدومه اللي متعلقة في الدولاب.
الساعة بقت خمسة.. ستة.. سبعة.
الوقت اللي دايماً بيرجع فيه كل سبت.
وسمعت صوت المفتاح بيلف في الباب الخارجي.
قلبي دق بعنف كأنه عايز يهرب من صدري. سمعت صوته وهو بيكلم الولاد، بيسألهم عليّا بنبرة فيها خوف مكتوم. يوسف قاله ماما جوه في الأوضة وقافلة على نفسها من الصبح وتعبانة تاني تقريباً.
خطواته قربت من الأوضة. خبط خبطات خفيفة مترددة.
منى؟ منى فكي الباب