جوزي بقاله سنتين بينزل كل يوم سبت منال علي
جوزي بقاله سنتين بينزل كل يوم سبت عشان عنده شفت زيادة في شركة الشحن. وفي سبت من الأيام، جالي دور سخونية شديدة، لدرجة إني مقدرتش أقوم من السرير. مسكت التليفون وكلمت الشركة عشان أشوفه؛ البنت اللي ردت عليّا اتأخرت كذا ثانية، وبعدين قالتلي بكل هدوء إن شريف ساب الشغل عندهم من تمن شهور بحالهم! بقلم حكايات منال علي
والغريب إني في نفس اليوم الصبح، كنت شايفاه بعيني واقف بيكوي قميصه بالراحة خالص، وبكل روقان، زي ما بيعمل كل يوم سبت من سنتين.
أنا منى، عندي 41 سنة.. وفيه كدب بيعيش معانا سنين طويلة مش عشان هو محبوك، لأ، عشان إحنا اللي بنغمض عنينا ومش عايزين نشوف الحقيقة اللي واضحة قدامنا.
أنا وشريف متجوزين من ثمانية عشر سنة. عندنا ولدين، يوسف والبنت الصغيرة فرح، وعلينا أقساط شقة، وحياة رتيبة ماشية بالعافية ومتحملش أي هزة.
كان كل سبت يصحى بدري، يستحمى ويلبس أحسن ما عنده ويقولي إنه نازل يغطّي شفتات زيادة في شركة الشحن والتخليص. ويرجع الساعة سبعة بالليل، يتعشى في صمت، ويبوس جبيني ويدخل ينام.
وأنا عمري ما سألت. هسأل ليه أصلاً؟
كان راجل طيب وبتاع ربنا. من النوع اللي يقوم يغطيكي بالليل من غير ما تطلبي.
الحاجة الوحيدة اللي كانت غريبة، لو فكرت فيها دلوقتي، هي الريحة. الشهور الأخيرة كان بيرجع
وريحته فيها مكس غريب.. ريحة نضافة بزيادة بس مش ريحته، ريحة شبه بودرة الأطفال ومطهرات طبية مع لمسة لافندر. فكرت في ست تانية.. فكرت في نوع صابونها. بلعت الفكرة وسكتُّ.بقلم حكايات منال علي
وبعدها بفترة، بدأ يسيب تليفونه دايماً على شاشته. مقلوب بالعكس طول الوقت.
وفي ليلة، الشاشة نوّرت، ومكنتش رسالة.. كانت صورة لبنت صغيرة شبهه جداً كأنها نسخة منه بس بيبّي لسه مولودة.
عملت نفسي عبيطة. ربنا يسامحني، عملت نفسي مش واخدة بالي لمدة سنتين بحالهم.
بس في السبت بتاع السخونية ده، مقدرتش أفضل نايمة في السرير.
قفلت السكة مع البنت اللي في الشركة، وحسيت بكتمة ونغزة في قلبي. قمت وأرتعش، ورحت على الدولاب، في الدرج اللي شريف بيشيل فيه أوراقه الخاصة.
تحت وصولات الإيجار والفواتير، لقيت ورقة متطبقة نصين.
عقد إيجار شقة قانون جديد باسمه. شقة أوضة وصالة في منطقة المنيل جنب قصر العيني. ممضي من سبعة شهور.
صوّرت العقد بموبايلى. مكنتش عارفة أنا بعمل كده ليه، بس صوّرت كل ورقة فيه.
بعدها فتحت حساب البنك المشترك بيننا على الموبايل.
كل يوم تلاتة في الشهر، كان فيه مبلغ ربعة آلاف جنيه بيخرج. نفس المبلغ كل مرة. كأنه إيجار الشقة.. أو مصروف شهري مقاليش عليه أبداً.
وفي وسط السحوبات اللي كنت بعديها ومبركزش فيها، لقيت اسم متكرر صيدلية شهيرة جنب المستشفى هناك، وصيدلية تانية بتاعت مستلزمات أطفال.
قعدت على أرض الأوضة والتليفون في إيدي.
معيطتش. وده اللي ككان مخوفني. مفيش دموع نزلت.
كل اللي ككان في دماغي فكرة واحدة صارمة وباردة أنا عايزة أشوفها بعيني.. عايزة أواجهها هي الأول، ققبل ما أنطق بكلمة واحدة معاه.
الليلة دي عدت ومفتحتش بوقي. سألته يومها اليوم ككان عامل إيه في الشغل يا شريف؟، وقعد يحكيلي حكاية طويلة عريضة تقريباً عشر دقايق.. وسمعته للآخر من غير ما أقاطعه.
السبت اللي بعده، سبته ينزل الأول. أديته عشرين دقيقة سبَق. بعدها أخدت مفاتيح عربيتي ورحت على العنوان اللي في العقد.
البيت ككان عمارة قديمة، بوابتها الحديد مصدية والمدخل مطفي وضلمة. الدور التاني، شقة رقم 4.
طلعت السلم بالراحة ونبضات قلبي بتسمع في وداني. إيدي ككانت بتعرق. كنت برتّب في دماغي الكلام اللي هحدفه في وش الست دي.. الشتيمة والقهرة اللي هفرغها فيها.
وقفت قدام الباب، وسمعت صوت بيبي صغير بيعيط جوا.. عياط ضعيف بتاع لسه مولود.
خبطت.
سمعت خطوات. بطيئة.. خفيفة ومترددة جداً ورا الباب.
في اللحظة دي، جارتها فتحت باب شقتها وبصت عليّابقلم حكايات منال علي
إمسكي يا بنتي.. داخلة للمدام الجديدة؟
بصيت للجارة وأنا مش قادرة أنطق بحرف.
الجارة كملت بنية صافية متعرفش الكارثة اللي أنا فيها يا حبة عيني لسه والدة مبقالهاش كام أسبوع، والجدع جوزها مبيجيش غير يوم السبت يدوب يطمن عليها ويجيب لها خزين الأكل ومصروف الأسبوع والحفاضات.
جوزها الجدع.. اللي هو جوزي أنا!
خبطت تاني بقوة، وزقيت الباب ففتح معايا.. كان موارب ومش مقفول بالمفتاح.
أول ما دخلت، شميت نفس الريحة اللي كنت بشمها فيه. بودرة أطفال، وزيت الخزامى، ومطهر دتول، مخلوط بريحة أكل بيت دافي.
كان فيه سرير بيبي صغير في الصالة، متغطي بناموسية بمبى ضعيفة.
وعلى الترابيزة اللي في النص، علبة لبن أطفال وببرونة، مع عقد جواز شرعي ورقي متطبق محطوط جنب مفاتيح البيت بإهمال.
مكنتش ست كبيرة ولا مريضة من الماضي.. كانت صدمة تانية خالص.
وممن الأوضة اللي جوه، وممن غير ما تشوفني، طلع صوت بنت شابة، صوت فيه تعب الخلفة الجديدة بتنادي بدلع وثقة
شريف؟ جبت معاك علبة اللبن اللي قلتلك عليها؟ البنت سخنة ومش بتبطّل عياط يا حبيبي..
الصوت ده جمد الدم في عروقي..
البنت اللي جوه دي، كانت بتكلمه بنفس الدلع اللي كنت بكلمه بيه زمان، وبنفس الاسم اللي ملكي أنا لوحدي من تمنية عشر سنة.
إيدي اللي كانت بتعرق على السلم، نشفت في لحظة.. جمدت وماتت في مكانها.
مشيت خطوات صغيرة صامتة جوه الصالة الضيقة. الشقة كانت بسيطة بس مترتبة بعناية.. نفس اللمسة
لمحة نيوز