امي سحبت فلوس فرحي

إن الفلوس كانت بتوصلكم بطريقة تانية.
حسيت الأرض بتلف بيا.
عشرين سنة…
عشرين سنة وأنا شايلة كره لرجل يمكن يكون أكتر واحد حاول يقرب مني.
فضلت ساكتة.
وفجأة سألني
قوليلي… إيه اللي خلاكي تتصلي النهارده بعد السنين دي كلها؟
حكيتله كل حاجة.
حكيت عن الفرح.
وعن الفلوس اللي أمي وعدتني بيها وبعدها ادتها لدينا.
وعن إن العيلة كلها قررت تسيب فرحي وتروح فرح أختي.
وحكيتله إني لأول مرة حسيت إني ماليش أهل.
كان ساكت بيسمعني.
لحد ما خلصت.
بعدين مسح دموعه وقال
إنتِ غلطانة في حاجة واحدة بس.
بصيتله.
قال بابتسامة هادية
إنك فاكرة إن مالكيش أهل.
وساب الجملة معلقة، وبعدها قال بثقة
أنا أبوكي… ولسه موجود. ولو تسمحيلي، أحب أحضر فرح بنتي… حتى لو دي أول مرة أقف جنبها قدام الناس.
ابتسمت وسط دموعي لأول مرة من سنين.
لكن اللي ماكنتش أعرفه وقتها…
إن وجود أبويا في فرحي، مش هيكون أكبر مفاجأة.
لأن قبل يوم الفرح بأسبوعين، هيوصلني ظرف بني قديم، هيكشف سر خطېر كانت أمي مخبياه عني أنا ودينا طول عمرنا… وساعتها، حياتنا كلنا هتتقلب رأسًا على عقب.
الجزء الثالث
خرجت من الكافيه وأنا حاسة إن الدنيا كلها اتشقلبت.
العربية ماشية قدامي، والناس رايحة جاية، لكن أنا كنت في عالم تاني.
كل كلمة قالها أبويا كانت بتلف في دماغي.
أنا ما سبتكيش.
أمك هي اللي منعتني.
كنت مستنيكي من عشرين سنة.
رجعت البيت، وأول ما فتحت الباب لقيت أحمد مستنيني.
أول ما شاف وشي قام بسرعة.
سارة… مالك؟ حصل إيه؟
رميت نفسي في حضنه وفضلت أعيط.
مكنتش قادرة أتكلم.
فضل سايبني أطلع كل اللي جوايا، وبعد شوية قعدني على الكنبة وجابلي كباية مية.
احكيلي بالراحة.
حكيتله كل حاجة.
من أول مكالمتي مع أبويا، لحد الملفات، والصور، وإيصالات التحويل.
كان بيسمعني من غير ما يقاطعني.
ولما خلصت، قال بهدوء
كنت حاسس إن في حاجة مش طبيعية.
بصيتله باستغراب.
يعني إيه؟
لأن الراجل اللي شوفته مرة صدفة قدام شركتك من كام شهر، كان واقف يبص عليكي بعين واحد بيبص على روحه… مش واحد ساب بنته بإرادته.
افتكرت اليوم ده.
كان فعلًا في راجل كبير واقف بعيد، ولما بصيتله بسرعة لف وشه ومشي.
مكنتش أعرف إنه أبويا.
مسحت دموعي.
أنا ضيعت عشرين سنة.
أحمد مسك إيدي.
لا… اللي ضيعهم هو الكدب. لكن لسه قدامك عمر كامل تعوضي فيه.
الكلام ريحني شوية.
لكن الراحة دي مكملتش عشر دقايق.
تليفوني رن.
الاسم اللي ظهر كان…
ماما.
بصيت للشاشة شوية، وبعدها رديت.
أول ما فتحت، سمعت صوتها العالي.
إنتِ روحتي قابلتي أبوكي؟
اتجمدت.
عرفتي منين؟
متغيريش الموضوع… قابلتيه ولا لأ؟
أيوة.
ثواني صمت…
وبعدين اڼفجرت.
إنتِ اټجننتي؟ بعد كل اللي عمله فينا؟
لأول مرة في حياتي، مقاطعتها.
هو معملش حاجة.
سكتت.
واضح إنها ما كانتش متوقعة إني أرد.
كملت وأنا بحاول أسيطر على صوتي.
شفت الأوراق يا ماما.
الصمت طال.
شفت طلبات الرؤية.
ولا رد.
شفت التحويلات.
برضه ولا كلمة.
شفت كل حاجة.
وفجأة قالت بعصبية
يعني صدقتيه؟
لا… صدقت الورق.
اتنهدت پغضب.
الورق يتزور.
رديت بهدوء
وأوامر المحكمة كمان؟
ما ردتش.
عرفت إنها اتحشرت.
بعد شوية قالت بنبرة مختلفة.
بصي… خلينا في المهم. فرح أختك قرب، وإحنا محتاجين باقي الفلوس اللي كنتِ وعدتينا بيها.
ضحكت.
أول ضحكة أضحكها من قلبي من أيام.
فلوس؟
أيوة… إنتِ عندك تحويشة.
التحويشة دي لفرحي أنا.
صوتها علي.
متنسيش إننا ربيّناكي.
قلت بهدوء
وأنا صرفت عليكم أكتر من عشر سنين.
سكتت.
كملت.
تقدري
تقوليلي يا ماما… دينا دفعت كام جنيه في البيت؟
ولا كلمة.
تقدري تقوليلي أنا حولتلك كام مرتب؟
برضه سكت.
تقدري تقوليلي كام مرة أجلت أحلامي علشانكم؟
بدأ نفسها يعلى.
لكن المرة دي أنا اللي كنت هادية.
خلاص يا ماما… بنكفل بعض لحد هنا.
يعني إيه؟
يعني من النهارده، مفيش جنيه واحد هيطلع من حسابي لأي حد.
صړخت.
إنتِ ناكرة للجميل!
ابتسمت بسخرية.
الجميل الحقيقي… هو إني استحملت كل ده.
وقفلت المكالمة.
أحمد كان قاعد قدامي مبتسم.
أخيرًا.
أخيرًا إيه؟
أخيرًا سارة اختارت نفسها.
عدى أسبوع.
كل يوم كان بيعدي، كانت أخبار فرح دينا توصلني.
قاعة أفخم.
فستان أغلى.
ديكور أكبر.
بوفيه مستورد.
حتى الميكب آرتست اللي كنت حجزاها، أمي كلمتها تعرض عليها ضعف الفلوس علشان تسيبني وتروح لدينا.
لكنها رفضت لأنها كانت ماضية عقد معايا.
لما عرفت أمي، قالت قدام العيلة كلها
ما هي سارة أصلًا فرحها هيبقى فاضي.
الكلمة وصلتني.
وزعلت…
لكن دقيقة واحدة بس.
لأن بعدها بساعتين، جرس الباب رن.
فتحت.
لقيت ساعي البريد واقف.
ناولني ظرف بني كبير.
حضرتك الأستاذة سارة؟
أيوة.
اتفضلي… ده مسجل باسمك.
استلمت الظرف.
مكانش عليه اسم المرسل.
قفلت الباب، وقعدت على السفرة أفتحه.
كان جواه ملف قديم جدًا.
وأول ورقة فيه كانت مكتوب عليها بخط إيدي أمي
وصية… لا تُفتح إلا إذا حاولت سارة تتواصل مع أبوها.
قلبي وقع.
بصيت لأحمد.
وبدأنا نقلب باقي الأوراق…
لكن أول صورة خرجت من الملف، خلتنا نبص لبعض في صدمة.
لأن الصورة ما كانتش لأبويا…
كانت لأمي…
واقفة بالفستان الأبيض…
وبجانبها راجل… عمره ما شوفته قبل كده.
وتحت الصورة تاريخ…
قبل جوازها من أبويا بستة شهور.
وفي اللحظة دي، أدركت إن السر اللي أمي خبّته طول السنين… أخطر بكتير من مجرد كڈبة عن الطلاق.
الجزء الرابع
فضلت ماسكة الصورة بإيدي، وحاسة إن صوابعي تلجت.
بصيت لأحمد، وهو أخدها مني بهدوء، وقعد يتأملها.
الصورة كانت قديمة، أطرافها مصفرة من الزمن، لكن ملامح أمي كانت واضحة جدًا.
كانت لابسة فستان فرح بسيط، وبتضحك من قلبها.
واقف جنبها راجل في أواخر العشرينات، طويل، لابس بدلة سودة، وحاطط إيده على كتفها.
المشهد كله كان طبيعي…
لولا إن الراجل ده ماكانش أبويا.
قلبت الصورة من ورا.
كان مكتوب بخط إيد
أول يوم بدأنا حياتنا… وربنا يجمعنا على خير.
وتوقيع باسم…
محمود.
أنا عمري ما سمعت الاسم ده في حياتي.
قلت بصوت مهزوز
مين محمود؟
أحمد هز كتفه.
كملي الملف الأول.
طلعت الورقة اللي بعدها.
كانت عبارة عن خطاب، واضح إنه مكتوب من سنين طويلة.
بدأ ب
لو سارة وصلت للورق ده، يبقى أكيد كل حاجة اتكشفت…
قلبي دق پعنف.
كملت قراية.
أنا عارفة إنك هتكرهيني بعد اللي هتعرفيه، لكن يمكن يكون ده الوقت الوحيد اللي تعرفي فيه الحقيقة كاملة.
وقفت.
حسيت نفسي مش قادرة أكمل.
أحمد مسك الورقة.
لو مش قادرة… أقرأه أنا.
هزيت راسي بالموافقة.
بدأ يقرأ بصوت هادي.
قبل ما أتجوز أبوكي، كنت مخطوبة لمحمود، وكنا بنحب بعض جدًا، لكن جدي رفض الجوازة لأنه كان فقير.
بعدها اتجوزت أبوكي ڠصب عني، وأنا عمري ما نسيت محمود.
كنت بسمع، لكن عقلي كان بيرفض يستوعب.
أحمد كمل.
أبوكي كان راجل محترم، لكن عمري ما حبيته.
هنا حسيت پصدمة جديدة.
ولما رجع محمود بعد سنين، ضعفت… وارتكبت أكبر غلطة في حياتي.
أحمد وقف عن القراءة.
رفع عينه فيا.
أنا كنت فاهمة الجملة حتى قبل ما يكمل.
قال بصوت منخفض
كمّل؟
هزيت راسي بصعوبة.
قرأ السطر اللي بعده.
ودينا… ممكن متكونش بنت أبوكي.
الورقة وقعت من إيد أحمد.
وأنا حسيت إن الأوضة بتلف بيا.
مستحيل…
الكلمة خرجت بالعافية.
دينا…
أختي؟
يعني…
يعني ممكن تكون من الراجل اللي في الصورة؟
فضلنا ساكتين.
ولا واحد فينا عارف يقول حاجة.
لكن الملف لسه مخلصش.
كان فيه تحليل قديم للحمض النووي.
ومكتوب عليه بختم معمل خاص.
احتمالية الأبوة مستبعدة بنسبة 99 99.
الاسم الموجود في خانة الأب…
كان اسم أبويا.
يعني…
هو كان عارف.
من سنين.
ومع ذلك…
فضل ساكت.
فضل
يصرف.
وربى دينا على إنها بنته.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
مش علشان أمي كذبت.
لكن علشان افتكرت كل مرة كانت بتقول فيها
أبوكي إنسان عديم الضمير.
أبوكي ظلمنا.
أبوكي هرب.
الحقيقة كانت العكس تمامًا.
وفجأة…
رن جرس الباب.
أنا وأحمد بصينا لبعض.
الساعة كانت داخلة على عشرة بالليل.
مين هييجي في الوقت ده؟
فتح أحمد الباب.
وبعد ثواني سمعته بيقول باستغراب
اتفضل.
خرجت من الصالون.
ولقيت…
أبويا.
كان واقف، وشه كله توتر، وماسك ظرف صغير في إيده.
أول ما شاف الملف على الترابيزة، وشه اتغير.
قال بهدوء
وصلتلك الأوراق؟
هزيت راسي.
بص للأرض شوية.
وبعدين قال
كنت نفسي عمرك ما تشوفيها.
قلت بسرعة
يعني… كل ده حقيقي؟
قعد على الكرسي وكأنه شايل جبل فوق كتفه.
أيوه.
سكت لحظة.
ثم كمل
عرفت بالحقيقة بعد ولادة دينا بسنة.
شهقت.
وسكت؟
ابتسم ابتسامة كلها ۏجع.
لأنها كانت طفلة

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *