امي سحبت فلوس فرحي

أمي سحبت فلوس فرحي وادتها لأختي، وبعدها العيلة كلها اختارت تروح فرحها هي… ويوم فرحي دخلوا من غير عزومة، لكن اللي حصل جوا خلّاهم واقفين مصډومين
ماما وكل خالاتي وخوالي وعمامي رايحين فرحي أنا، مش فرحك قالتلي أختي دينا في التليفون، وهي بتضحك الضحكة اللي لحد النهارده كل ما أفتكرها بحس بحړقة في قلبي.
كان فاضل 3 شهور على فرحي. كنت قاعدة في أوضة السفرة في شقتي في القاهرة، حواليّ ظروف الدعوات، وقوايم المعازيم، وعينات مفارش الترابيزات، لما دينا قالت الجملة دي بكل بساطة، كأنها بتحكي موقف عادي.
يعني إيه فرحك؟ سألتها. يا دينا، معاد فرحي محجوز من شهور.
يا بنتي بلاش تعملي دراما. القاعة اللي أنا كنت عايزاها مكنش فيها غير السبت ده. وبعدين ماما بتقول إنك الكبيرة، وتستحملي.
ومن وراها سمعت صوت أمي.
يا بنتي افهمي. أختك طول عمرها بتحلم بفرح حلو. إنتِ كبرتي وبقيتي ست مسؤولة. مش محتاجة كل المناظر دي.
حسيت نفسي مخڼوقة ومش قادرة آخد نفسي. عندي 32 سنة، وطول عمري بسمع نفس الكلام إنتِ الكبيرة استحملي، إنتِ الكبيرة ساعدي، إنتِ الكبيرة اتنازلي.
أنا مش هغيّر معاد فرحي.
محدش قالك تغيّريه قالت دينا. أنا بس بحذرك علشان متتصدميش لما تشوفي ردود العيلة. كلهم اختاروا ييجوا عندي.
بصيت على الترابيزة. كانت قايمة قرايب أمي قدامي، وكلهم تقريبًا كاتبين إنهم مش هيقدروا يحضروا. لحد اللحظة دي كنت فاكرة عندهم ظروف، أو حد تعبان، أو أي سبب. لكن الحقيقة كانت إنهم اختاروا فرح أختي.
خلاص، متجوش قلت بهدوء حتى أنا استغربته. لا إنتِ، ولا ماما، ولا أي حد شايف إن فرحتي ملهاش قيمة.
دينا ضحكت بسخرية.
يا سلام… عاملة فيها قوية.
وقفلت السكة.
بس حكايتي ما بدأتش اليوم ده.
بدأت وأنا عندي 12 سنة، يوم ما أمي قالتلي إن أبويا سابنا وراح اتجوز واحدة تانية. وأنا صدقتها. أي

طفلة هتشك في كلام أمها وهي شايفاها بټعيط في المطبخ؟
من اليوم ده بقيت الأم التانية في البيت. كنت برعى دينا، وأطبخ، وأغسل هدوم المدرسة، واتنازلت عن حاجات كتير في سن المراهقة، لأن دايمًا كان في حاجة لازم تتعمل.
ولما خلصت الثانوية، مدرسة قالتلي أقدر أقدم على منحة وأدخل كلية تغذية، لكن أمي قعدت ټعيط.
أختك لسه صغيرة… وأنا لوحدي مش هقدر.
فنزلت أشتغل. الأول في محل، وبعدها كنت بدرس بالليل، ولحد ما أخدت شهادات وخبرت نفسي في مجال التغذية، واشتغلت في شركة بتقدم برامج غذائية ورعاية لكبار السن. كنت بحب شغلي، لكن كل آخر شهر جزء من مرتبي كان بيروح لحساب أمي.
أما دينا، فكان ليها كورسات غنا، وجيم، وجامعة خاصة، وخروجات وسهرات. ولو طلبت منها مرة تساهم بأي حاجة، كانت ترد بكل برود
مش ذنبي إنك اتولدتي علشان تضحي.
في الأول أمي كانت بتشكرني.
بعدها بطلت حتى كلمة شكرًا.
وفي يوم، لما دينا اشتغلت، قلت لأمي إني مبقتش أقدر أبعت نفس المبلغ كل شهر.
ردت عليا من غير ما تبصلي
يا سارة، متبقيش أنانية. أختك لسه بتبدأ حياتها.
وأنا…
حياتي هتبدأ إمتى؟
افتكرت إنها بدأت لما عرفت أحمد.
كان محاسب، هادي، من النوع اللي يسمعك للآخر قبل ما يتكلم. وبعد سنة ارتباط، طلب إيدي في كافيه بسيط، بخاتم صغير، وابتسامة كانت بالدنيا كلها.
لما عرفته على أمي، عيطت.
وقالتلي
أنا عايزة أساعدك في فرحك… ده أقل حاجة أقدر أعملها بعد كل اللي عملتيه.
ولأول مرة حسيت إن كل تعبي له قيمة.
لكن بعد أربع شهور، طلبت مني أروح البيت.
لقيت دينا قاعدة، وابتسامتها
مليانة انتصار.
أنا كمان هتجوز قالت وهي فرحانة.
ألف مبروك… وإيه علاقة ده بيا؟
أمي وطت راسها.
الفلوس اللي كنت هساعدك بيها… هديها لأختك. إنتِ معاكِ تحويشة أكبر… وإنتِ الكبيرة.
دينا قربت مني وقالت بابتسامة مستفزة
متزعليش.. . إنتِ طول عمرك بتعرفي تعتمدي على نفسك.
وقفت من مكاني من غير خناقة ولا صوت عالي.
وقلت
فعلًا… والمرة دي كمان هعرف أعيش من غير أي حد فيكم.
في اليوم ده، وأنا رايحة أقابل أحمد…
عملت مكالمة كنت بهرب منها بقالي عشرين سنة.
اتصلت بأبويا
الجزء الثاني
إيدي كانت بتترعش وأنا ببص لرقم أبويا على شاشة الموبايل.
رقم محفوظ من سنين… لكن عمري ما قدرت أضغط عليه.
كل مرة كنت أقول لنفسي أكيد هو اللي اختار يمشي… أكيد نسي إن عنده بنت.
خدت نفس طويل، وضغطت اتصال.
رن مرة…
اتنين…
تلاتة…
وقبل ما أقفل، سمعت صوته.
ألو؟
صوته كان أهدى بكتير من اللي كنت متخيلاه.
فضلت ساكتة كام ثانية، وهو كرر
ألو… مين معايا؟
بلعت ريقي بصعوبة.
أنا… سارة.
سكت.
السكون اللي حصل بينا كان تقيل لدرجة إني حسيت إني سامعة دقات قلبي.
وبعدين سمعته بيقول بصوت مخڼوق
سارة… بنتي؟
أول ما قال بنتي دموعي نزلت ڠصب عني.
عمري ما كنت مستنية الكلمة دي تأثر فيا بالشكل ده.
فضلت أعيط من غير كلام.
قال بسرعة وهو واضح إنه قلق
إنتِ كويسة؟ حصلك حاجة؟ حد ضايقك؟
هزيت راسي وكأنه شايفني.
لا… بس… كنت محتاجة أكلمك.
سمعته بياخد نفس طويل.
أنا مستني المكالمة دي من عشرين سنة.
الكلمة وقفتني.
عشرين سنة؟
هو مستني؟
إزاي؟
قلت وأنا بمسح دموعي
يعني إيه؟
رد بهدوء
يعني كل سنة في عيد ميلادك كنت بشتري هدية وأحتفظ بيها… يمكن في يوم أشوفك.
قلبي وجعني.
افتكرت كلام أمي.
أبوكي نسيكم.
أبوكي كوّن أسرة جديدة.
أبوكي مبقاش عايز يعرف عنكم حاجة.
كل الجمل دي بدأت تتكسر واحدة واحدة.
قلت بتردد
هو… إنت فعلاً سبتنا؟
سكت شوية.
وبعدين قال
ينفع نتقابل؟ في حاجات مينفعش تتقال في التليفون.
بصيت في الساعة.
كان لسه فاضل ساعتين على معادي مع أحمد.
قلت
حاضر.
…
بعد ساعة كنت قاعدة في كافيه هادي على كورنيش النيل.
كل دقيقة كنت ببص ناحية الباب.
لحد ما دخل راجل شعره كله بقى أبيض، لكن ملامحه هي هي اللي كنت فاكرة منها صور قليلة وأنا صغيرة.
أول ما شافني وقف مكانه.
فضل يبصلي بعين مليانة دموع.
وبعدين قرب بهدوء.
سارة…
وقفت.
ولا أنا ولا هو عرفنا نتصرف.
في الآخر هو فتح دراعاته بتردد.
وأنا…
جريت حضنته.
حضنته كأني برجع طفلة عندها اتناشر سنة.
وقعدنا نعيط إحنا الاتنين من غير ولا كلمة.
بعد شوية قعدنا.
الجرسون جه يسألنا هنطلب إيه.
ولا واحد فينا كان مركز.
قال وهو بيطلع ظرف قديم من الشنطة الجلد اللي معاه
قبل أي كلام… عايزك تشوفي دول.
فتح الظرف.
طلعت منه عشرات الصور.
صور ليا.
كل سنة صورة.
عيد ميلادي وأنا عندي 13.
14.
15.
16.
لحد آخر صورة وأنا عندي 31 سنة.
بصيتله بذهول.
الصور دي جبتها منين؟
ابتسم بحزن.
كنت بطلبها من ناس يعرفونا… وكل ما حد ينزل صورة ليكي كنت أطبعها.
قلبي اتقبض.
قال وهو بيقلب الصور بإيده
كنت عايز أشوفك بتكبري… حتى لو من بعيد.
دموعي نزلت تاني.
قلت
طب… ليه سبتنا؟
هنا اتغيرت ملامحه.
وبص بعيد شوية.
أنا ما سبتكيش يا سارة.
رفعت عيني فيه.
قال
أمك هي اللي طلبت الطلاق… وبعدها رفعت قضية ومنعتني أشوفك.
شهقت.
مستحيل.
طلع ملف صغير من الشنطة.
كان مليان ورق مختوم.
أوامر محكمة.
طلبات رؤية.
محاضر.
إنذارات.
إيصالات تحويلات.
قال بهدوء
عشرات المرات حاولت أشوفك… وكانت كل مرة تقول للقاضي إنك مش عايزة تشوفيني.
اتجمدت.
أنا؟
هز راسه.
وأنا كنت عارف إنك صغيرة… وإن حد بيقولك الكلام ده.
إيدي كانت بتترعش وأنا بقلب في الورق.
كل ورقة كانت بتكسر حتة جوايا.
وفجأة افتكرت.
افتكرت إن أمي كانت كل شوية تقول
أبوكي مجاش.
أبوكي نسي معاد الرؤية.
أبوكي بعت يقول
مش فاضي.
مكنتش أعرف إنها كانت بتكدب.
قال وهو بيطلع دفتر توفير قديم.
وده كمان.
فتح الدفتر.
كان فيه تحويل شهري باسمي من أول ما اتطلقت أمك لحد ما كملت واحد وعشرين سنة.
قلت پصدمة
أمي كانت بتقول إنك عمر ما صرفت علينا جنيه.
ابتسم ابتسامة كلها ۏجع.
كنت بصرف… لكن واضح
لمحة نيوز

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *