حمايا متحكم في بيتي ج2 منى السيد
عدت أيام قليلة، والهدوء في البيت كان مريب، زي الهدوء اللي بيسبق العاصفة. أحمد بقى يحاول يتقرب مني أكتر، وبدأنا نقعد سوا ونتكلم بجدية عن حياتنا، لأول مرة من سنين طويلة. كان بيحكي لي عن ضغوط أبوه عليه من هو طفل، وإزاي “عم رشاد” زرع فيه فكرة إنه من غير “مشورته” و”خبرته” هيكون ضايع في الدنيا. فهمت وقتها إن أحمد ضحية زيه زيي بالظبط، بس سجنه كان من نوع تاني؛ سجن الطاعة العمياء اللي أبوه قفله عليه بالمفتاح.
في صباح يوم الجمعة، صحيت على صوت خناقة جاية من تحت الشباك في الشارع. بصيت لقيت عربية عم رشاد مركونة، وهو واقف بيزعق بصوت عالي للسواق اللي بيحاول يركن وراه. قلبي دق بسرعة.. إيه اللي جابه في وقت زي ده؟ وليه من غير ما يتصل؟
نزلت لقيت أحمد بيفتح الباب، ووشه اتغير أول ما شاف أبوه واقف في المدخل بـ “عباية” الاستقبال بتاعته اللي بيلبسها لما يحب يفرض هيبته.
«صباح الخير يا بطل»، قالها عم رشاد لأحمد وهو بيتجاهلني تماماً، وكأني مش موجودة في الصالة. دخل البيت وكأنه داخل مكتبه، ورمى عصايته على الكنبة. «البيت ده بقى فيه ريحة غريبة، ريحة تمرد؟».
أحمد حاول يبتسم بتوتر: «أهلاً يا بابا.. خير؟ في حاجة حصلت؟».
«الخير في وشك يا بني، أنا جاي عشان موضوع الأرض اللي كنت قايلك عليه، وموضوع الميزانية اللي كنتوا عاملين عليها حفلة الشهر اللي فات. لازم نحط النقط على الحروف، أنا مش هسيبكم تضيعوا شقا عمري في قرارات عشوائية».
بصيت لأحمد، مستنية أشوف رد فعله. أحمد بلع ريقه، وبصلي بصة سريعة، كانت نظرة مليانة خوف من الفضيحة ومن أبوه.
قلت بهدوء، بس صوتي كان فيه حدة: «أهلاً يا عم رشاد. البيت بيتك، بس ميزانية البيت ده خلصنا الكلام فيها، ومافيش جديد يتقال».
عم رشاد ضحك ضحكة باردة: «إنتي لسه في دور “الست المستقلة”؟ يا بنتي اسمعي مني، الراجل هو اللي بيدير، والست دورها الحفاظ على اللي الراجل بيقرره. أحمد، جهز الورق اللي قولتلك عليه».
أحمد وقف محتار، كان واقف في النص، كأنه عيل صغير بيشدوه من إيدين الاتنين. «يا بابا، وسام عندها حق في كذا نقطة، وإحنا محتاجين مساحة خاصة لينا».
هنا عم رشاد فقد أعصابه. رمى الموبايل على الطرابيزة: «مساحة خاصة؟ إنتي اللي غاسلة مخه يا وسام؟ إنتي اللي خليتيه ينسى مين اللي عمله؟».
وقفت قدامه، وبصيت في عينه بجرأة ما كنتش أتخيل إني أقدر أطلعها. «يا عم رشاد، أنا مش غاسلة مخ حد. أنا ببني أسرة. حضرتك بتتعامل معانا كأننا “فرع” لشركتك، وإحنا مش فرع، إحنا بيت مستقل. لو حضرتك حابب تزورنا كجد للعيال، فأهلاً وسهلاً. لكن لو جاي تملي أوامرك، فمعلش، إحنا مش فاضيين».
البيت ساد فيه صمت مميت. أحمد كان بيترعش. عم رشاد قام وقف، ووشه احمر لدرجة إني خفت عليه من ضغطه. قرب مني وقال بصوت واطي ومخيف: «انتي بتطرديني من بيتي يا وسام؟».
رديت بثبات: «ده مش بيتك يا عم رشاد. ده بيت أحمد وأنا. وحضرتك ضيف، والضيف لازم يحترم أهل البيت».
أحمد هنا اتدخل بصوت عالي: «يا بابا، خلاص! كفاية. وسام عندها حق. أنا مش قادر أعيش في وسط صراعكم ده. لو سمحت، سيبنا نرتب أمورنا بنفسنا».
عم رشاد بص لأحمد بصدمة، وكأنه مش مصدق إن “عصايته” اللي كان بيتوكأ عليها بدأت تتكسر. بصلنا الاتنين باحتقار، وخد عصايته ومشي. الباب خبط بقوة هزت الحيطان.
أحمد قعد على الكرسي مهدود، وغطى وشه بإيديه. رحت قعدت جنبه، وحطيت إيدي على ظهره. «أنا آسف يا وسام.. أنا بجد آسف إني خليتك توصلي للمرحلة دي».
«مش أنت اللي آسف يا أحمد. إحنا اللي لازم نقوى عشان نعدي المرحلة دي».
الأيام اللي بعد الزيارة دي كانت صعبة. عم رشاد قطع اتصالاته بينا، وبدأ يضغط على أحمد في الشغل، وبدأ يبعت لنا رسائل “غير مباشرة” عن طريق قرايبنا، يلمح فيها إني ست “متمردة” وعايزة “تخرب البيت”. أحمد كان بيتألم، بيشوف أبوه في الشغل بيعامله بقسوة، وكان بيجي البيت منهك ومكسور.
في نص الأسبوع، لقيت أحمد جاي وشكله قلقان جداً. «وسام، بابا كلمني وقالي إنه قرر يبيع البيت اللي إحنا ساكنين فيه، أو يرجع يطالب بحقه فيه قانونياً، وإنه هيقاضيني على ديون قديمة كان مسجلهالي».
حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي. ديون؟ ديون إيه؟ إحنا كنا فاكرين كل اللي بناخده منه “مساعدات”.
«أحمد، أنت بتهزر؟ ديون إيه؟».
«مش عارف يا وسام.. كان بيخليني أمضي على ورق كتير وأنا مش فاهم، كنت بثق فيه ثقة عمياء».
بدأت أفهم الخطة. دي مش مجرد سيطرة، ده “احتجاز” قانوني ومادي. عم رشاد مستعد يمسح تاريخ ابنه عشان يفضل مسيطر عليه.
في اللحظة دي، عرفت إن الموضوع عدى مرحلة “الحما والكنة”، الموضوع دخل في مرحلة “البقاء”.
اتصلت بـ “مها”، صاحبتي اللي بتفهم في القانون، وحكيت لها كل حاجة. قالت لي بصدمة: «يا وسام، دي مصيبة. لازم محامي شاطر، ولازم كل ورقة مضيتوا عليها تطلع، ولازم نعرف الموقف القانوني للبيت».
بدأنا رحلة البحث عن الحقيقة، وطلعت خبايا كتير ما كناش نتخيلها. عم رشاد كان بيسجل كل حاجة باسمه، وكان بيحط “أحمد” في فخاخ مالية عشان يفضل دايماً محتاج له.
في وسط كل ده، كنت بحاول أحافظ على توازن العيال، وبحاول أكون الأم اللي مش بتبين الحزن. كنت بليل، لما الكل ينام، أقعد أكتب وأبكي، وأقول لنفسي: “إيه اللي أنا فيه ده؟ هل كان لازم كل ده عشان أثبت إني إنسانة؟”.
أحمد بدأ يتغير، بدأ يقرأ الورق اللي كان بيمضيه، وبدأ يفهم إن “أبوه” كان بيخطط لحياته أكتر من ما هو نفسه بيخطط. بدأ يظهر فيه غضب.. غضب مشروع ومحتاج توجيه.
في يوم، كنا قاعدين بنتعشى، وأحمد قال لي: «يا وسام، أنا قررت أواجهه. مش بالصراخ زي ما عملنا قبل كده، بس هعمل “جرد” لحياتي كلها. هعرف هو ليه بيعمل فينا كده، وهعرف إيه اللي ليا وإيه اللي عليا. ولو اضطريت أبدأ من الصفر، هبدأ».
بصيت له بفخر. لأول مرة، حسيت إن أحمد مش بس جوزي، ده شريكي في معركة كرامة.
«أنا معاك يا أحمد. مهما كان التمن».
بس لسه السؤال اللي بيطاردني: هل “عم رشاد” هيسكت؟ وهل عنده كروت تانية خفية لسه ما لعبهاش؟
عدى أسبوع، ولقينا “إنذار قانوني” واصلنا على البيت. عم رشاد بدأ المعركة الحقيقية. قعدت مع أحمد وبدأنا نجهز الرد، وبدأنا نلم كل الأوراق، وكل الدلائل اللي تثبت حقنا.
في وسط كل ده، كنت بلمح “ظلال” غريبة حوالين البيت. كأن حد بيراقبنا، كأن حد بيحاول يضغط علينا أكتر. أحمد كان بيطمني، بس كنت حاسة إن فيه حاجة تانية أكبر من مجرد أب غضبان. هل يا ترى فيه أطراف تانية؟ هل فيه حد في عيلة عم رشاد أو شغله بيحركه؟
القصة بتتعقد، والأقنعة بتسقط واحد ورا التاني. إحنا في وسط معركة مش عارفين نهايتها، بس اللي أعرفه، إني مش هتنازل عن حقي، ولا عن حق ولادي في حياة كريمة ومستقلة.
يا ترى إيه اللي مستنينا في الأيام الجاية؟ هل هنقدر نثبت موقفنا قدام القانون؟ وهل أحمد هيقدر يكسر القيد ده للأبد؟
الحرب بدأت، والأسلحة بقت أكتر من مجرد كلام.
**دلوقتي، لو كنتوا مكاني، ومعاكم أوراق تثبت إن أقرب الناس ليكم كان بيستغلكم، هتكملوا الطريق القانوني وتخسروا الأهل، ولا هتحاولوا “تصلحوا” العلاقة وتخسروا حقكم؟**