حمايا متحكم في بيتي ج2 منى السيد

بعد المواجهة اللي حصلت على سفرة العشا، البيت بقى جواه جو مشحون وكهربا مش بتفصل. أحمد كان ماشي في البيت زي المخنوق، بيحاول يتجنب عيني، وعم رشاد.. عم رشاد قرر يغير تكتيكه، وبدل ما كان بيدخل يزعق ويفرض سيطرته، بقى بيستخدم سلا..ح “الصمت المتعالي” ونظرات الشفقة اللي بتلمح إني “واحدة متمردة وناكرة للجميل”.
عدى أسبوع على موضوع الحساب المشترك، وفتحت حساب خاص بيا وبدأت أحول عليه مرتبي. إحساس الاستقلالية كان زي شربة مية ساقعة في يوم حر، بس في نفس الوقت، كان إحساس بالذنب بيحاول يتسلل لقلبي، خصوصاً لما بشوف ولادي حاسين بالتوتر اللي في البيت.
في يوم الخميس، كنت راجعة من الشغل مهدودة، لقيت أحمد قاعد في الصالة، والبيت ريحته غريبة.. ريحة بخور تقيل، وعم رشاد كان قاعد بيلعب مع العيال وبياكلهم فاكهة. أول ما دخلت، الضحك سكت.
«حمد الله على السلامة يا وسام»، قالها أحمد بصوت هادي بزيادة، صوت اللي بيحاول يمتص غضبي قبل ما يبدأ.
رديت بكلمة «الله يسلمك» ودخلت على المطبخ عشان أغير هدومي. لقيت على الرخامة “نوتة” صغيرة بخط عم رشاد، مكتوب فيها قايمة طلبات للبيت وتفاصيل مصاريف الأسبوع الجاي، وكأنه بيقولي: “اللي عملتيه ده مجرد مسرحية، وأنا لسه اللي بيمشي الكلام هنا”.
مسكت الورقة، وقطعتها نصين ورميتها في الباسكت. دخلت الصالة ولقيتهم قاعدين. بصيت لعم رشاد وقولت بهدوء: «يا عمي، أنا قولت لأحمد، المصاريف بنقسمها بنسبة وتناسب، وأي زيادة تانية احنا اللي بنقررها. وجود حضرتك معانا في البيت يوم الخميس للعشا ده شيء يسعدنا، لكن التدخل في ميزانيتنا ده خط أحمر».
عم رشاد بص لأحمد ببرود، وقال: «أنا اللي مربي أحمد، وأنا اللي ساعدته يبني البيت ده، طبيعي أكون خايف على قرشه وقرش ولاده. إنتي يا بنتي لسه صغيرة ومتهورة».
أحمد اتنهد وبص لي: «يا وسام، خلاص بقى، مش لازم كل حاجة تبقى حرب. بابا قصده خير».
كلمة “قصده خير” دي كانت هي اللي بتفجر فيا البركان. «لا يا أحمد، اللي بيحب حد ما بيكسروش، واللي بيحترم حد ما بيبصش في جيبه. أنا مش صغيرة، أنا ست بشتغل وبشقى عشان أساعدك، مش عشان أتحول لمجرد رقم في دفتر حسابات أبوك».
سيبتهم ودخلت أوضتي، قفلت الباب، وقعدت أفكر في حياتي. أنا ليه وصلت لمرحلة إني بطلب “حقوقي” كأني بشحت؟ ليه أحمد شايف إن طاعة أبوه أهم من تماسك بيته؟
بدأت أفتكر أيام الخطوبة، أحمد كان شخص تاني خالص. كان حنين، بيسمعني، بيشجعني على طموحي. إيه اللي حصل؟ وليه “عم رشاد” بقى جزء لا يتجزأ من علاقتنا؟ هل هي عقدة النقص اللي عند أحمد؟ ولا هو فعلاً مش عارف يفصل بين كونه ابن وبين كونه زوج؟
في نص الليل، سمعت صوت خناقة واطية بره. أحمد كان بيتخانق مع أبوه في الصالة.
«يا بابا، كفاية بقى! وسام عندها حق، أنا مش قادر أوازن بينكم، والبيت هيتخرب!»
رد أبوه كان حاد: «أنا اللي عملتك راجل، أنا اللي خليتك تتجوزها وتعيش في بيت، ده جزاتي؟ إنت مخدوع فيها، دي عايزة تاخدك بعيد عني».
دمعتي نزلت. أحمد بيحبني، بس “خوفه” من أبوه أكبر من حبه ليا. الخوف ده هو اللي بيخليه ضعيف، والضعف ده هو اللي بيخليني أحس إني لوحدي في معركة خسرانة.
قررت في اللحظة دي إني لازم أغير الخطة. الحرب مش بس بالفلوس، الحرب بالاستقلال العاطفي. بدأت أركز في شغلي أكتر، وبقيت بخرج مع زمايلي، وبقيت بهتم بنفسي وبجمالي، وبدأت أرجع علاقتي بأهلي اللي كنت مقصرا معاهم بسبب ضغوط البيت.
عم رشاد بقى بيحاول يتدخل في لبسي، وفي مواعيد رجوعي. «إنتي راجعة متأخر ليه يا وسام؟ والبيت؟ والعيال؟»
بصيت له بكل ثقة: «أنا بشتغل يا عمي، والبيت مترتب، والعيال في عينيا، وحضرتك ضيف في بيتي مش أكتر».
الكلمة دي خلت وشه يتغير، ملامحه اللي كانت دايماً قاسية بقت مكسورة. أحمد كان واقف مذهول من قوتي. هو متعود يشوفني مكسورة، متعود يشوفني “وسام اللي بتسمع الكلام”. لكن وسام الجديدة دي، وسام اللي عرفت قيمتها، كانت مرعبة بالنسبة لهم.
يوم الخميس اللي بعده، أحمد جه وقالي: «بكرة بابا مش هيجي يتغدى معانا».
بصيت له وسألت: «ليه؟»
قالي بصوت متردد: «قالي إنه محتاج ياخد إجازة من تدخلاته في حياتنا، وإنه محتاج يفكر».
حسيت إن دي أول خطوة في طريق طويل. بس هل فعلاً عم رشاد انسحب؟ ولا ده فخ جديد؟
في الوقت ده، بدأت أتواصل مع “الدكتور” بتاعي بانتظام، وبدأت أكتب كل مشاعري في ورقة. اكتشفت إن المشكلة مش بس في الحما، المشكلة في “عقدة الابن” اللي عند أحمد. أحمد محتاج يكتشف نفسه بعيد عن ظل أبوه.
في نص الأسبوع، لقيت أحمد جاي من شغله وشكله متضايق جداً. قعد جنبي في الصالة وقال: «وسام، بابا كلمني، وقالي إنه مريض ومحتاجني جنبه، وإنه حاسس بالوحدة. أنا مش عارف أعمل إيه».
بصيت له وأنا عارفة إن ده “تلاعب عاطفي” كلاسيكي. «أحمد، لو بابا محتاج رعاية، ده حقك كابن، بس ده ما يدلوش الحق إنه يدير حياتنا. تقدر تروح تشوفه، تقدر تجيب له دكتور، تقدر تهتم بيه، بس بيتنا ده خط أحمر».
أحمد بص لي، ولأول مرة شفت في عينيه لمحة من القوة اللي كنت مستنياها. «أنا بدأت أحس إن عندك حق يا وسام. أنا كنت خايف أزعله، ونسيت إني بجرحك إنتي».
دي كانت أول مرة أحمد يعترف فيها بوجعي. حسيت إن فيه بصيص أمل. بس في نفس اللحظة، رن موبايل أحمد، وكان “عم رشاد”. أحمد بص للموبايل، وبصلي، وبدا الصراع على وشه.. هل هيرد؟ وهل هيرجع زي ما كان؟
قمت وقفت، وسيبت له الأوضة عشان ياخد قراره لوحده. دي كانت اللحظة الفاصلة.. إما أحمد هيختار حياتنا، أو هيختار يفضل أسير لطلبات أبوه.
وقفت ورا باب الأوضة، قلبي بيدق بسرعة.. أحمد رد، وسمعته بيقول: «يا بابا، أنا دلوقتي مع مراتي وعيالي، ومش هعرف أجيلك دلوقتي. بكرة الصبح إن شاء الله همر عليك».
قفل السكة، وساد الصمت. دخلت عليه لقيته قاعد بيبص للفراغ، بس كانت نظرة فيها راحة.
«أنا عملت الصح يا وسام؟» سألني بصوت مكسور.
قربت منه، وحطيت إيدي على كتفه: «أنت عملت اللي يريح ضميرك كابن، وحافظت على بيتك كزوج. ده الصح يا أحمد».
بس لسه الطريق طويل، ولسه “عم رشاد” مش هيسكت بسهولة. أنا عارفة إن اللي جاي أصعب، وإن لسه فيه معارك كتير هنحاربها، سواء مع أهله، أو حتى مع مخاوفنا إحنا. بس الأكيد، إني مش هرجع لـ “وسام” القديمة تاني أبداً.
قعدنا سوا نخطط لمستقبلنا بعيداً عن أي تدخلات، وبدأت أحس إننا لأول مرة بنبني بيتنا فعلاً، مش مجرد بيت مبني على رغبات حد تاني. بس هل يا ترى عم رشاد ناوي على إيه؟ وهل أحمد فعلاً هيقدر يثبت على موقفه لما يواجه أبوه وش لوش؟
القصة لسه في بدايتها، والبيوت أسرار.. وأسرار بيت “عّم رشاد” لسه مخبية كتير من المفاجآت اللي ممكن تغير كل حاجة في لحظة.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *