حماتي ضـ,ـر.بتني وانا حامل انجي الخطيب

دخلت شقتي لاقيت مراتي الحامل في الشهر التامن مرمية علي السرير ووشها مليان كدمات زرقا وماية كتير نازلة تحتها ومغرقة السرير وموبايلها واقع علي الارض شاشتة مكسورة وعلية رسالة من امي بتقول لو جوزك عرف هيبقي اخر يوم في عمرك وعمر ابنك اللي في بطنك متكبريش الموضوع اية يعني اني ضربتك عشان تتأدبي ….
دخلت البيت براحة عشان ألحق أعملها مفاجأة، بس المفاجأة كانت مستنياني أنا.. مراتي ليلى في الشهر التامن، مرمية على السرير، ودوسية متابعة الحمل واقع على الأرض، وشاشة موبايلها منورة برسالة من أمي إياكي تخلي أدهم يقلب الدنيا، الموضوع بسيط.
حكايات_انجي_الخطيب
ليلى كانت نايمة علي السرير وموطية، ساندة بإيد على بطنها وبالإيد التانية بتحاول توصل لموبايلها اللي شاشته مكسورة وبيتزحلق منها على الأرض.. الساعة كانت واحدة بالليل، وأنا واقف في الصالة بشنطتي، مش فاهم أي حاجة.. ريحة الأوضة كانت قهوة باردة، على ريحة داوني، على ريحة زفارة غريبة طالعة من تحت الملايات.. التكييف شغال وصوته عالي، والسجادة تحت رجلي حاسسها مبلولة.
أنا أدهم.. كنت في مأمورية شغل في أسوان بقالي تلات أيام بخلص عقد برمجة، الفلوس اللي كانت هتدفع مصاريف المستشفى والسرير وإجازتي اللي من غير مرتب.. كان مفروض أرجع بكرة بليل، بس خلصت بدري ودفعت فرق التذكرة عشان أطير وألحقها.. كنت عايز أفاجئ ليلى.. بس لقيتها لابسة قميص النوم بالمقلوب، والماركة محكوكة في رقبتها من ورا، ورجليها ورمة لدرجة تخوف، وشعرها ملزق على قورتها من العرق.. كانت حاطة إيدها على بطنها كأنها ماسكة العالم كله وخايفة يقع.
ليلى!
فتحت عينيها فجأة.. مكنتش نايمة.. كانت مرعوبة.
حكايات_انجى_الخطيب
أدهم.. أنا كلمتك عشرين

مرة!
انجي_الخطيب
موبايلي كان لسه وضع طيران.. بصيت في السجل.. أول مكالمة الساعة 11 إلا ربع.. وبعدها عشر مكالمات ورا بعض.. ورسالة أخيرة من غير نقط ولا فواصل إلحقني يا أدهم ابني فيه حاجة غلط.
وتحتها على طول رسالة تانية.. من أمي بلاش دلع ماسخ، متخليهوش يسيب شغله ويرجع عشان شوية مغص.
ليلى كانت بتبص لوشي وهو بيتحول.. شفايفها كانت بيضاء
قولنلهت يالا بينا علي تلطوارئ في المستسفي . قالتها وهي بتنهج.. الطوارئ هياخدوا مننا آلاف على الفاضي، وقالتلي إني مكبر الموضوع.
النور في الطرقة رعش مرة واحدة .. ريقي كان طعمه مر زي المعدن.. وفجأة عيني وقعت على الفوطة.. فوطة بيضاء ملفوفة جامد، وعليها بقع غامقة.. وتحتها غويشة المستشفى بتاعة آخر متابعة، اللي أمي قالتلها تقطعها عشان منظرها بيخلي شكلها عيانة وبتدلع.. وجنبها جهاز قياس الضغط اللي الممرضة كانت مسلفاهولنا.. الشاشة كانت لسه بتنور وتطفي.. 170 على 110.
سندت إيدي على التسريحة عشان ميغمى علياش.. ليلى مسكت معصم إيدي بقوة.
مامتك قالتلي متطلبيش الإسعاف.. وقفت مكان ما أنت واقف كدة وقالتلي اوعي تفضحينا وتعملي شوشرة عشان ولادة كاذبة.
منطقتش ولا كلمة.. مكنش فيه طاقة ازعق.. قلعت جاكتي ولفيتها بيه، وشيلتها بإيد واحدة والموبايل في الإيد التانية.. صباعي كان بيرعش لدرجة إني طلبت النجدة غلط أول مرة.. الساعة 114 الإسعاف ردوا عليا.. الساعة 118 النور الأحمر والأزرق كان مالي حيطان الأوضة.. المسعف دخل، بص للملايات، وبص للجهاز، وبص لوش ليلى المورم.. صوته بقى حاد وناشف وهو بيبصلي
يا أستاذ.. مين اللي قالها متجيش المستشفى لحد ما حالتها وصلت لكدة؟
موبايل ليلى نور تاني برسالة جديدة من أمي تأكد إن أدهم ميعملش من الحبة
قبة.
المسعف شاف الرسالة هو كمان.. وبصلي بنظرة مش هساها طول عمري.. مسك اللاسلكي بتاعه وطلب دعم فوري.. وليلى ضغطت على إيدي وهي بتترفع على النقالة.
الساعة 142.. في طرقة المستشفى.. الدكتور مسك موبايل ليلى المكسور، فتح سجل المكالمات، ولقى رسالة صوتية ممسوحة في سلة المحذوفات.. شغلها وصوت أمي ملى المكان
ليلى.. لو طلبتي الإسعاف، رجلك مش هتعتب البيت ده تاني، ولا إنتي ولا اللي في بطنك تبعنا.
الدكتور بص لفرد الأمن اللي واقف جنبه، ونظراته كانت بتقول إن اللي حصل ده مش مجرد إهمال.. دي جريمة.. وقبل ما حد ينطق، الأمن بدأ يتحرك بناءً على التسجيل ده.. وأنا واقف مش قادر أصدق إن أقرب الناس ليا كانت هتموت ابني ومراتي بدم بارد.
المستشفى كانت هادية وصوت الممرضات هو اللي بيرن والريحة اللي بتخنق بتاعة المنظفات كانت كاتمة على نفسي.. ليلى دخلت أوضة العمليات طوارئ، والدكتور سابني واقف في الطرقة وهو بيجري، قالي كلمة واحدة هزت كياني تسمم حمل وحالة انفصال مشيمة.. ادعيلها يا أدهم. قعدت على الكرسي البلاستيك، حاسس إن الحيطان بتطبق عليا، وإيدي لسه فيها أثر ضغطة إيد ليلى.. فجأة الموبايل في جيبي اهتز.. كانت هي.. أمي.
رديت وصوتي طالع من حتة بعيدة أوي أيوة يا أمي. جاني صوتها حاد وناشف كأن مفيش كارثة بتحصل إنت رجعت يا أدهم؟ ليلى كلمتك؟ أنا قولتلك ميت مليون مرة البت دي دراما، وبتحب تعمل من الحبة قبة عشان تشد رجلك من الشغل، تلاقيها دلوقتي نايمة وزي الفل ومفيش فيها خدش. ضحكت بوجع، ضحكة خلت الممرضة اللي ماشية تبصلي بخوف، وقولتلها ليلى في العمليات يا أمي.. بين الحياة والموت.. وابني اللي كان نفسك تشيليه، الدكتور بيقول احتمالية يعيش 10.. ده اللي إنتي كنتي عايزاه؟.
سكتت
للحظة، بس مكنش سكوت ندم، كان سكوت حد بيفكر يهرب إزاي، وقالت وده من إيه إن شاء الله؟ تلاقيها هي اللي أهملت في نفسها ولا أكلت حاجة غلط، أنا كنت عندها الصبح وكانت قردة، وبعدين إنت بتكلمني كده ليه؟ إنت هتصدق الغريبة وتكذب أمك؟. في اللحظة دي، شفت فرد أمن المستشفى جاي عليا ومعاه ظابط صغير ببدلته الميري، الدكتور كان بلغ فعلاً إن فيه شبهة جنائية بسبب الرسائل والكدمات اللي شافها على جسم ليلى وهي بتغير هدومها للعمليات.
قومت وقفت، والدموع اللي كانت محبوسة نزلت، بس كانت دموع غضب مش ضعف.. قولت في الموبايل بوضوح ليلى مش غريبة يا أمي، ليلى مراتي.. والكدمات اللي في وشها، والضغط اللي وصل للأسماء، والتسجيل اللي بعتيه وبتقولي لها فيه رجلك مش هتعتب البيت.. كل ده دلوقتي مع الشرطة. صوتها اتهز لأول مرة شرطة إيه يا واد إنت؟ إنت هتسجن أمك عشان حتة عيلة؟ أنا كنت بأدبها عشان لسانها طال، كانت عايزة تطلب إسعاف وتفضحنا في المنطقة وتدفعنا دم قلبنا في المستشفيات الخاصة وإنت لسه قايل يا هادي في الشغل.
الظابط وقف قدامي وسألني بنبرة هادية بس تخوف أستاذ أدهم؟ إحنا محتاجين الموبايل اللي عليه الرسايل، والدكتور أثبت في التقرير المبدئي وجود آثار ضرب مبرح أدى لتفاقم الحالة الصحية للمريضة. بصيت للموبايل اللي في إيدي وصوت أمي لسه طالع منه بتزعق وتدعي، وصوت بيب بيب الأجهزة اللي جوه العمليات بدأ يعلى فجأة.. ممرضة خرجت بتجري وهي بتنادي محتاجين دم فصيلة O سالب فوراً، الحالة بتنزف!.
الدنيا لفت بيا، ومبقتش شايف غير وش ليلى وهي مرمية على السرير والماركة بتاعة القميص محكوكة في رقبتها.. قفلت السكة في وش أمي، واديت الموبايل للظابط وإيدي بترتعش، وقولتله بحسم دي الرسايل، وده
التسجيل، والموقع بتاع البيت اللي
حصل فيه الواقعة أهو.. أنا مش هسيب حق مراتي وابني، حتى لو من مين. الظابط خد الموبايل وهز راسه بتفهم، وبدأ يكلم الجهاز اللاسلكي بتاعه يطلب قوة تروح العنوان.. في اللحظة دي، باب العمليات اتفتح، والدكتور خرج وهو بيقلع الجوانتي اللي كان كله دم، وبصلي بنظرة خلت قلبي يقف.. قرب مني وحط إيده على كتفي وهو بينهج إحنا عملنا اللي علينا.. ليلى فاقت، بس للأسف.. الطفل مكنش فيه نبض من ساعة ما وصلت.
وقعت على الأرض، صرخة مكتومة خرجت من صدري هزت ممرات المستشفى.. في نفس اللحظة اللي كان الموبايل فيها بيرن تاني.. أمي كانت بتتصل، بس المرة دي الظابط هو اللي رد، وصوته كان زي الرصاص وهو بيقولها يا حاجّة، إنتي مطلوبة في قسم المرج، تهمة اعتداء بالضرب أدى لوفاة جنين والشروع في قتل.. متتحركيش من مكانك. قعدت على السيراميك الساقع، ساند راسي على الحيطة، حاسس إني خسرت كل حاجة في ليلة واحدة.. الحلم اللي شقيت عشره في أسوان، والابن اللي كنت مستني أسمع صوته، والأمان اللي كنت فاكر إنه موجود في بيتي.. مكنش فاضل غير ريحة القهوة الباردة في مناخيري، وصورة ليلى وهي بتحاول تمسك الموبايل المكسور عشان تستنجد بيا، وأنا كنت وضع طيران.
ممرات المستشفى بقت أضيق، والنور الأبيض اللي فوق راسي بقى يزغلل عيني كأنه بيحقق معايا. قمت من الأرض بجرجير رجلي، والظابط سابني وراح يخلص الإجراءات مع إدارة المستشفى. دخلت أوضة الإفاقة بعد ما الدكتور سمح لي، كانت ليلى نايمة، وشها اللي كان دايمًا منور بضحكتها بقى شاحب زي الورقة، وعينيها تحتها سواد الكدمات اللي أمي سابتها تذكار على وشها.
فتحت عينيها ببطء، أول ما شافتني دموعها
نزلت من غير صوت، حاولت تتكلم بس صوتها كان طالع حشرجة مخنوقة. ميلت عليها بوست إيدها، وقولتلها حقك هيرجع يا ليلى.. والله العظيم حقك هيرجع. ليلى بصت لسقف الأوضة وقالت بصوت مهزوز ابني يا أدهم.. ابني راح؟. مقدرتش أرد، وطيت راسي وبكيت زي العيل الصغير، وهي ضغطت على إيدي بضعف وقالت كانت بتضربني بالشبشب على بطني وهي بتقولي إنتي بتتدلعي عشان متخدمينيش.. كانت بتقفل باب الأوضة عليا عشان محدش يسمع صويتي.. وأنا كنت بنده عليك في سري، كنت بقول أدهم هييجي يلحقني.
كل كلمة منها كانت بتنزل على قلبي زي مية النار. في اللحظة دي موبايلي رن، كان خالي. رديت عليه والغل مالي عروقي.
أيوة يا أدهم، إيه اللي إنت عملته ده؟ الشرطة عند بيت أمك يا راجل! إنت هتسجن أختي الكبيرة عشان خاطر عيلة لسه داخلة بيتنا أول إمبارح؟ لم الدور وتعال اتنازل، دي أمك مهما كان، والضنا بيتعوض لكن الأم لأ.
ضحكت بصوت عالي وسط الطرقة، لدرجة إن الممرضات بصوا لي برعب. وقولتله الضنا اللي بتقول عليه بيتعوض ده كان ابن أدهم، حفيد أختك اللي قتلته بدم بارد.. والأم اللي بتدعي إنها أمي دي هي اللي كانت هتسيب مراتي تموت بس عشان منظرنا قدام الناس.. قسماً بالله يا خالي، اللي هيقرب من باب المستشفى ده عشان يطلب تنازل، هحبسه جنبها.. بلغها إن المحامي بتاعي هيقابلها في النيابة، وإن ليلى مش غريبة، ليلى هي بيتي اللي هي هدت سقف فوق راسي.
قفلت السكة وعملت بلوك لكل أهلي. بصيت لليلى لقيتها بتبتسم وجع، مسحت دموعها وقولتلها أنا بعت عفش الشقة كله لتاجر خردة وأنا واقف هنا.. الشقة دي مش هندخلها تاني، ولا الشارع ده كله.. إحنا هنبدأ من جديد، في
مكان ميعرفوش فيه حتى اسمنا.
الممرضة دخلت ومعاها كيس بلاستيك فيه هدوم ليلى اللي كانت لابساها، الهدوم اللي كانت غرقانة بمية الولادة والدم. بصيت للكيس وقلت للظابط اللي كان واقف بيراقب الموقف من بعيد يا فندم، أنا جاهز أدلي بأقوالي كاملة، ومعايا شهادة وفاة ابني اللي لسه مطلعش للدنيا.
الساعة بقت 4 الفجر، القاهرة بدأت تصحى، بس بالنسبة لي، الدنيا كانت لسه ميتة. شيلت ليلى في عيني، وطلعت من المستشفى وأنا عارف إن المعركة لسه طويلة، بس المرة دي أنا مش وضع طيران.. أنا صاحي، وصاحي جداً، وهحرق الكل عشان خاطر النفس اللي لسه طالع وداخل في صدر مراتي.
مرت الأيام وكأنها سنين، ليلى خرجت من المستشفى بجسد مهدود وروح مكسورة، مكنتش بتبص في المراية عشان متشوفش بقايا الزرقان اللي في وشها، بس الوجع اللي جوه كان أقوى بكتير من أي كدمة. كنت حجزت لها في أوتيل هادي بعيد عن منطقتنا تماماً، ومبقتش أسيبها لحظة واحدة.
الموبايل مكنش بيبطل رن.. خالي، عمي، جيراننا.. الكل قلب عليا، إزاي أدهم يجرجر أمه في المحاكم؟، إزاي يرمي ست كبيرة في الحبس عشان خاطر مراته؟. بس أنا كنت قفل وداني عن الكل، مكنش في ودني غير صوت صرخة ليلى وهي بتقولي ابني راح يا أدهم.
يوم الجلسة الأولى، كنت واقف قدام النيابة، وشفت أمي وهي داخلة والكلبشات في إيدها.. شكلها كان غريب، الوقار اللي كانت بتدعيه اتمحى، وبقى وشها باهت وعينيها مليانة غل.. أول ما شافتني، صرخت فيا وسط العساكر يا واطي يا قليل الأصل! بتسجن اللي شالتك تسع شهور؟ ربنا هينتقم منك يا أدهم، البت دي سحرتلك، البت دي خربت بيتك!.
الظابط زقها عشان تمشي، وأنا وقفت قدامها بكل
ثبات، بصيت في عينيها وقولت بصوت واطي بس مسموع إنتي اللي خربتي بيتك بإيدك يا أمي.. اللي شالتني تسع شهور كانت المفروض تحس باللي شالت حفيدي تمانية وفقدته بسببك.. القانون هياخد مجراه، والدم اللي على الملايات مش هيضيع.
في المكتب، وكيل النيابة واجهها بالتسجيلات.. صوتها وهي بتقول لو طلبتي الإسعاف رجلك مش هتعتب البيت كان بيرن في القاعة زي الرصاص.. هي حاولت تنكر، قالت إنها كانت بتهزر، قالت إن ليلى هي اللي وقعت من على السرير.. بس تقرير الطب الشرعي كان حاسم كدمات ناتجة عن اعتداء بجسم صلب، وانفصال مشيمة حاد نتيجة صدمة عصبية وجسدية.
المحامي بتاعي بص لها وقالي القضية منتهية يا أدهم، دي جناية اعتداء أفضى إلى موت جنين، والعقوبة هتكون رادعة.
رجعت لليلى الأوضة، لقيتها قاعدة بتبص للبلكونة، ملامحها بدأت تهدى بس الحزن لسه محفر في عينيها. قعدت تحت رجلها وقولتلها أمي خدت ٤ سنين سجن يا ليلى.. والنيابة رفضت كل المحاولات للتصالح.
ليلى بصتلي والدموع في عينيها، مكنتش فرحانة، كانت مذهولة.. سألتني وهتعيش إزاي مع فكرة إن أمك في السجن بسببي؟.
مسكت إيدها وقولت مش بسببك.. بسبب أفعالها.. أنا معنديش أغلى منك يا ليلى، والبيت اللي مبيصونش عرضه ملهوش أمان.. إحنا هننقل الصعيد، هناك عندي شغل جديد، وهنبدأ صفحة مفيهاش رسايل تهديد، ولا وضع طيران.. هنبدأ وإحنا سوا، والطفل اللي راح، ربنا هيعوضنا عنه في أرض جديدة، بعيد عن سم النفوس اللي كان هيقتلنا.
ليلى سكتت، وحطت راسها على كتفي.. لأول مرة من يوم الحادثة، حسيت إن نفسها بقى هادي، وإن الكابوس بدأ ينسحب.. القاهرة كانت بتنور من بعيد، وإحنا كنا بنرتب شنطنا
عشان نمشي قبل ما
الشمس تطلع، ونسيب ورانا وجع مكنش ينفع يلملمه غير عدل ربنا.. وقوة راجل عرف يختار بين صلة الرحم اللي بتدمر، وبين العدل اللي بيحيي النفوس.
الطريق للصعيد كان طويل، والسكوت اللي بينا كان أطول، بس مكنش سكوت خوف، كان سكوت ترميم. ليلى كانت ساندة راسها على إزاز العربية، بتراقب شريط الطريق والبيوت اللي بتبعد، وكأنها بتودع نسخة قديمة من نفسها.. النسخة اللي كانت بتخاف وترتعش وتستحمل الإهانة عشان مركب البيت تمشي.
وصلنا المنيا، شقة في بيت قديم بس واسع، وشبابيكه بتطل على النيل.. ريحة الأرض والزرع كانت بتغسل ريحة القهوة واليود اللي لسه معلقة في مناخيري. أول ما دخلنا، ليلى وقفت في نص الصالة، بصت للفراغ وشهقت شهقة طويلة، كأنها بتطلع كل النفس المكتوم جوه صدرها من يوم الحادثة.
أدهم.. تفتكر هنقدر ننسى؟
قربت منها، وفتحت الشباك عشان الهوا يدخل، وقولت لها مش لازم ننسى يا ليلى، الوجع ده هو اللي هيخلينا نحافظ على اللي جاي.. إحنا مش بنهرب، إحنا بنعيد بناء نفسنا بعيد عن التربة المسمومة.
بدأت أنزل الشغل في شركة برمجة كبيرة هناك، وليلى بدأت ترجع لحيويتها بالتدريج.. بدأت ترسم، وبدأت الضحكة ترجع لوشها بس بهدوء أكبر. وفي يوم، بعد مرور ست شهور، كنت راجع من الشغل لقيتها واقفة في المطبخ، بتعمل شاي بالنعناع، وبصتلي بابتسامة فيها لمعة غريبة.. لمعة مكنتش شفتها من يوم ما كنت في أسوان.
أدهم.. أنا روحت للدكتورة النهاردة.
قلبي انقبض، خوفت يكون فيه حاجة، بس هي كملت وهي بتمسك إيدي وبتحطها على بطنها اللي لسه مفيهاش أي بروز أنا حامل.. وفي الشهر التاني.
اللحظة دي، الدنيا وقفت.. شريط الرسايل،
والدم، والمستشفى، والسجن، وكلام خالي، كله اتمحى.. مكنش فيه غير نبض صغير تحت إيدي بيقول إن الحياة أقوى من الغل، وإن ربنا عوضه كبير.
المرة دي يا أدهم.. المرة دي مفيش حد هيعرف، ولا حد هيدخل بينا.. المرة دي ابننا هيكبر في أمان.
حضنتها بقوة، ودموعي نزلت.. دموع راحة. الموبايل رن في جيبي، شفته لقيته رقم غريب، غالباً حد من أهلي بيحاول يكلمني تاني عشان التنازل أو الصلح أو العيب. بصيت للشاشة، وبصت لليلى اللي كانت بتضحك وهي بتمسح دموعي.. المرة دي، ممشيتش ولا عملت وضع طيران.. المرة دي مسكت الموبايل، ورميته من الشباك في النيل بكل هدوء.
مبقتش محتاج أسمع صوت حد غير صوتها، ولا محتاج أبرر قراراتي لحد.. ليلى بقت هي الوطن، والطفل اللي جاي هو المستقبل.. والحكاية اللي بدأت بوجع ودم، انتهت بنور جديد طالع من وسط النيل، بيعلن إن الحق مش بس بيتاخد بالقانون، الحق بيتاخد لما تقرر إنك تقطع العرق اللي بيمدك بالسم، وتزرع مكانه حياه.
مرت الشهور، والمنيا بقت هي الملاذ. ليلى بطنها بدأت تكبر، ومعاها كان بيكبر إصراري إن مفيش مخلوق يلمس شعرة منها. الشقة اللي كانت فاضية اتملت حياة، وبقينا نختار لبس البيبي بألوان مبهجة، بعيد عن الكحلي والأسود اللي عاشوا معانا فترة الوجع.
في ليلة، وأنا قاعد براجع أكواد شغل على اللابتوب، ليلى جت قعدت جنبي، كانت ماسكة ورقة وقلم وبترسم ملامح طفل صغير. بصتلي وقالت بصوت هادي أدهم.. تفتكر هما لسه بيدعوا علينا؟ تفتكر أمك في سجنها حاسة بالندم؟.
قفلت اللابتوب وبصيت في عينيها الندم ده للي عنده قلب يا ليلى.. اللي يوصل بيه الغل إنه يضرب واحدة حامل ويحرم ابنه
من ضناه، مبيعرفش يعني إيه ندم. هما دلوقتي عايشين في سجن أفعالهم، سواء اللي ورا القضبان أو اللي براها وبياكل في نفسه من الغيظ.. المهم إحنا، المهم النبض اللي تحت إيدك ده.
فجأة، الباب خبط. جسم ليلى انتفض، الرعب القديم لسه له أثر. قمت طمنتها وفتحت العين السحرية، كان خالد صاحبي الوحيد اللي لسه على تواصل معايا وميعرفش مكاني غيره. فتحت له، كان وشه مخطوف، دخل وقعد وهو بيتنفس بصعوبة.
أدهم.. كان لازم أجيبلك الخبر ده بنفسي، مكنتش ينفع أقوله في التليفون.
خير يا خالد؟ في إيه؟
أمك.. جالها جلطة في السجن، ونقلوها المستشفى في حالة حرجة.. خديجة أختك وخالك قالبين الدنيا عليك، والمحامي بتاعهم بيحاول يوصلك عشان تعمل تنازل إنساني عشان يخرجوا بها عفو صحي تقضي أيامها الأخيرة في البيت.
بصيت لليلى، كانت واقفه ورايا، إيدها على بطنها وبترتعش. الغرفة سكتت تماماً، مكنش فيه غير صوت مروحة السقف وهي بتلف. خالد كمل هما بيقولوا إنها بتنازع، وإن آخر كلمة قالتها كانت اسمك.
ضحكت بمرارة، مش ضحكة شماتة، دي ضحكة راجل شاف الموت بعينيه. بصيت لخالد وقولتله بجمود والجنين اللي مات مكنش له حق إنساني؟ والوجع اللي ليلى عاشته مكنش له عفو؟.
ليلى قربت مني، حطت إيدها على كتفي، وهمست بصوت مسموع أدهم.. أنا مش هقولك سامح، ولا هقولك روح.. بس أنا مش عايزة ابني يتولد وفي رقبتنا دين لدم حد، حتى لو اللي ظلمنا. روح يا أدهم، روح شوفها، مش عشانها.. عشان تنهي الحكاية دي للأبد وميفضلش لها خيط واحد يشدنا لورا.
بصيت لليلى بذهول، الست اللي انضربت واتذلت هي اللي بتطلب مني أروح. وفي لحظة، حسيت إن ليلى هي اللي
أقوى مني بكتير.
سافرت القاهرة في نفس الليلة. دخلت المستشفى تحت حراسة، شفتها.. كانت خاسة للنص، والأجهزة محوطاها من كل ناحية. أول ما شافتني، عينيها اتحركت بصعوبة، حاولت ترفع إيدها، بس الإيد اللي كانت بتضرب كانت مشلولة.
مبكتش، ولا زعقت. وقفت بعيد، وقولتلها بصوت ناشف أنا جيت عشان ليلى هي اللي طلبت مني آجي.. ليلى اللي كنتي بتموتيها هي اللي لسه فيها ريحة الرحمة. أنا مش هتنازل يا أمي، القانون هياخد مجراه، بس أنا جيت عشان أقولك إني مش شايل غل.. أنا شايل نسايان. إنتي بالنسبالي بقيتي ذكرى منتهية من يوم ما قفلتي باب الأوضة على مراتي.
خرجت من الأوضة وأنا حاسس إني خفيف، كأني رميت جبل من فوق ضهري. خالي وأختي حاولوا يوقفوني في الطرقة، زقيتهم ومشيت من غير ولا كلمة. ركبت القطر ورجعت المنيا، وفي الفجر، وصلت البيت.
ليلى كانت مستنياني صاحية. أول ما شافتني، حضنتني وطمنتني بوشها الصافي. الموبايل رن رسالة، فتحتها.. كان خالد البقاء لله يا أدهم.. والدتك اتوفت من دقايق.
قفلت الموبايل وحطيته على الترابيزة. بصيت لليلى وقولت خلاص يا ليلى.. الصفحة اتقفلت بجد المرة دي. مفيش قضايا، مفيش سجن، مفيش ماضي.. فيه بس أنا وإنتي والبيبي.
قعدنا في البلكونة نتفرج على الشروق وهو بيشق عتمة النيل. الحكاية اللي بدأت بدم وكدمات زرقا ورسايل تهديد، انتهت بهدوء تام.. هدوء مبيعرفوش غير الناس اللي اختارت تبني حياتها على الصدق والعدل، بعيد عن سم الأهل وجبروت النفوس. ومن يومها، مبقاش فيه أدهم وليلى بتوع القاهرة.. بقى فيه عيلة جديدة، بقلب جديد، في بلاد مفيهاش غير ريحة الزرع وصوت ضحكات مفيهاش خوف.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *