جوزي مضربنيش بالقلم

“جوزي م ضربنيش بـ القلم عشان فقد أعصابه، هو ضربني عشان أمه ابتسمت بـ شماتة! وفي الصالة المقلوبة دي، وسط كاسات الكريستال وصور العيلة والناس اللي عاملين نفسهم م شايفينش رعشتي، فهمت الحقيقة اللي كان لازم أقبلها من سنين؛ أنا م عمرني كنت زوجة في البيت ده، أنا كنت خدامة بـ يلبسوها لولي!”.. النبرة دي مكانتش مجرد خناقة في عزومة، دي كانت اللحظة اللي القناع فيها وقع لـ الأبد، ومكنش الخاين وأمه النرجسية يتخيلوا إن القلم ده ح يكون القنبلة اللي تفرتك اسم عيلتهم وتكشف حقيقتهم الوسخة قدام البلد كلها، والمواجهة اللي جاية ح تحبس الأنفاس!
أنا ‘علا’، ولـ مدة تمن سنين كنت متجوزة من ‘شريف’، الراجل اللي كل الناس في منطقتنا بـ يحلفوا بـ أدبه وأخلاقه؛ بـ لبسه الشيك، بـ ضحكته اللي بـ توزع على الكل، وبـ بوستات عيد جوازنا اللي بـ تنزل على الفيس بوك وتخلي الغرب يقولوا: ‘بسم الله ما شاء الله.. ربنا يسعدهم’، وأمه ‘الحاجة ثريا’ كانت بتموت في الكومنتات دي أكتر من الحقيقة نفسها، الحاجة ثريا عاشت حياتها كلها عشان المظاهر، شقتها لازم تكون على الفرازة، والفضية بـ تـتلمع مرتين، والورد دايماً أبيض عشان الألوان بـ تخلي السفرة ‘بلدي’ بـ النسبة لها، كانت بتقول على نفسها ست من طراز قديم وبتاعت أصول، بس هي في الحقيقة كانت بـ تعشق المحايلة والسيطرة، في كل عزومة كنت بطبخ، وأغرف، وألم الأطباق، وأصب الشاي، وأبتسم وأمي بـ تعدل عليا بـ قسوة: ‘يا علا المفرش م محطوطش مظبوط.. يا علا شريف بـ يحب القهوة سخنة عن كده.. يا علا م تقعديش لسه م قدمناش الحلو!’، وشريف كان دايماً يضحك بـ صوت واطي ويقول لي بـ همس: ‘دي أمي يا علا.. م تكبريش الموضوع وتخلي شكلنا وحش’، وكنت بـ أبلع الإهانة كأنها فيتامينات، وأقول أنا آسفة وأنا م عملتش حاجة غلط، وأقف في المطبخ والكل جوة بـ يتسامر، بس

ليلة الجمعة دي كانت غير كل مرة، الحاجة ثريا كانت عازمة 12 من قرايبهم وجيرانهم والمستشارين عشان يحتفلوا بـ ترقية شريف في الشركة، الكل كان بـ يمدح فيه كأنه بنى الشركة دي بـ إيده، ومحدش كان يعرف إني بقالي تلات سنين بـ سهر لـ بعد نص الليل أصلح له التقارير والشغل، ومحدش يعرف إني سددت له ديون الشغل مرتين من ورث أبويا الله يرحمه، ومحدش يعرف إني كنت خلاص كلمت محامي! في نص العشاء، الحاجة ثريا خبطت على الكباية بـ المعلقة وبصت لـ شريف وقالت: ‘الراجل م بـ يبقاش راجل وله قيمة إلا لما يتجوز ست تعرف مقامها كويس وتعرف حدودها’، الصالة كلها ضحكت، ووشي بقا بـ يغلي، شريف قرص ركبتي تحت السفرة بـ غل كأنه بـ يحذرني، وبعدين حماتي بصت لي وقالت بـ كبرياء: ‘علا يا حبيبتي.. خدي الطبق بتاعي المطبخ، وهاتي معاكي صوص اللحمة وأنتي جاية’، بصت لـ إيدها اللي جمب الطبق؛ خواتم ألماظ، إيد م تعبتش في حاجة، ولأول مرة من تمن سنين، م قمتش! الصالة هديت لدرجة إن صوت التلج وهو بـ يدوب في الكبايات كان مسموع، حماتي برقت وقالت: ‘أفندم؟’، حطيت الفوطة على السفرة وقُلت بـ كل برود: ‘إنتي عندك إيدين يا حاجة ثريا’، السكوت انشق، واحد من قرايبهم بص في الأرض، والمستشار كح بـ إحراج، وزمايل شريف المعلقة وقفت في بوقهم، وابتسامة حماتي اتمسحت بـ البطء، وقالت بـ غيظ: ‘إنتي بـ تقولي إيه؟’، حسيت بـ شريف بـ يلف ناحيتي وبـ يهمس من تحت ضرسه: ‘علا!’، بس أنا كنت تعبانة.. مش زعلانه بـ الصوت العالي اللي الناس بـ تستناه، أنا كنت هلكانة بـ الحمل التقيل اللي بـ يهد الظهر بعد سنين من الاستغلال، وقُلت تاني بـ نفس الهدوء: ‘بقول عندك إيدين.. تقدري تشيلي طبقك بـ نفسك’، الحاجة ثريا رجعت بـ ضهرها كأني دلقت في وشها مية نار، وبصت لـ شريف.. م بصتليش ليا، بصت لـ شريف! وكانت دي الإشارة الصامتة بين الأم وابنها: ‘ربيها!’، شريف قام وقف بـ سرعة لدرجة إن الكرسي اـ رزع في الأرض وقال بـ صوت جهوري: ‘اعتذري لـ أمي حالا!’، قُلت بـ ثبات: ‘لأ’، عروق رقبته شُدت وقُلت: ‘علا!’، وقبل ما أخد نفسي، كان القلم نزل على وشي! م كانش أقوى وجع عشته في حياتي، بس كان أقوى صوت صدمة، خدي قاد نار، وداني صفرت، وفي ست شهقت بـ الرعب، وكباية اـ قلبت على السفرة، إيد شريف كانت لسه مرفوعة في الهواء لما لقى الكل باصص له بـ صدمة، وحماتي ابتسمت بـ شماتة صغيرة، الابتسامة دي حرقت كل عذر كنت بـ أقدمه له في يوم من الأيام، لمست خدي بـ البطء وبصيت حوالين السفرة وقُلت: ‘شكراً أوي’، شريف كشر وقال: ‘على إيه؟’، قلعت دبلتي وحطيتها جمب الأكل اللي م لمستوش وقُلت: ‘شكراً إنك عملت كده قدام شهود!’، وشه اتقلب.. مش ندم، اتقلب رعب! لأن عيلة شريف عندها قانون واحد فوق كل القوانين: ‘المظاهر م تتبهدلش قدام الناس’، بس الحقيقة كانت خلاص اتكتبت، وفي آخر السفرة، بنت أخته الصغيرة ‘شهد’ كانت ماسكة موبايلها تحت الترابيزة، وعينها مفتوحة بـ الرعب.. كانت بـ تسجل كل حاجة بـ الصوت والصورة! ليلتها، لما خرجت من بيت الحاجة ثريا بـ خد أحمر وشنطة صغيرة في إيدي، محدش على السفرة كان فاهم إيه اللي بدأ بـ الظبط، لا شريف ولا أمه ولا الناس اللي ضحكوا لما كنت بـ اـ تهان، لأن جوة الشنطة دي كان فيه أوراق تحويلات بنكية، وإمضاءات مزورة، ومستند واحد كفيل يثبت إن عز عيلة شريف كله مبني على فلوس م عمرها كانت بتاعتهم، وعلى يوم الأحد الصبح، البلد كلها ح تعرف حقيقة العيلة اللي كانوا بـ يعملوا لها ألف حساب—
يا ترى علا ح تعمل إيه بـ الفيديوهات والأوراق اللي معاها، وإزاي شريف وأمه ح يتفاجئوا بـ البوكس واقف تحت البيت بـ سبب مكالمة واحدة من علا، وإيه الفضيحة المرعبة اللي ح تهز منطقتهم وتخلي شريف يبوس الإيدين عشان ترحمه؟ اللي جاي ضرب نار ومواجهة تزلزل القلوب!
طلعت من البيت وأنا رافعة راسي لأول مرة من سنين. خدي كان لسه بيوجعني، لكن وجع القلم كان أهون بكتير من وجع الثمان سنين اللي عشتهم وأنا فاكرة إن الصبر هيغير ناس عمرهم ما عرفوا الرحمة.
وصلت شقتي الصغيرة اللي كنت مأجراها من أسبوعين، وقعدت قدام اللابتوب.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *