ودعته في المطار محمد عبده
“وهي بتوصله المطار وتعيط بحرقة، كان فاكر إنها هتستناه سنتين… لكنه ماكانش يعرف إن الطلاق وخراب أحلامه مستنيينه أول ما يوصل لعشيقته!”
عيوني غرقانة بالدموع وأنا بوصله للمطار، وعاملة نفسي مصدقة إنه مسافر دبي سنتين عشان شغل ومستقبلنا، بس أول ما خطى رجله جوه صالة المطار وعدى التفتيش، كنت قاعدة في عربيتي على جنب، وبصوابع بترعش نقلت الـ ١٥ مليون جنيه كلهم لحسابي، وبعت إعلان الطلاق على عنوان شقته الجديدة اللي في التجمع… الشقة اللي مأجرها لعشيقته.
قبل ما ينزل من العربية، عند بوابة مبنى ٣ في مطار القاهرة، مد إيده ورجع خصلة من شعري ورا ودني بحنية مزيفة، وقال لي بثقة وهو باصص في عيني: “لو حد من أهلك سأل، قوليلهم طار على دبي عشان العقد الجديد… وخليكي زوجة صيلة واصبري عليا يا مريم”.
أنا كنت ببكي بحرقة، وعيني ورمت من كتر الدموع، وهو الغبي افتكر إن ده من كتر حبي فيه، وفي الحقيقة… كان جزء منه فعلاً صدمة في العشرة، كنت عمالة أعيط على ٨ سنين ضاعوا من عمري وأنا مغفلة، على الأيام اللي كنت بسهر فيها بلقمته في نص الليل وهو متأخر، على شكلي قدام أهلي وأنا بدافع عن غيابه وأقول معلش بيطفح الدم عشاننا، وهو كان بيطفح الدم فعلاً بس في حضن واحدة تانية.
سامح كان شايل شنطته السمسونيت السودا، ولابس الجاكيت الماركة اللي جايبه بالشيء الفلاني، وواقف بكل برود وثقة راجل ميعرفش إن الست الهادية لما بتقرر تقلب بتبقى أعنف من الإعصار، قرب مني وباس دماغي وهو بيقول: “السنتين هيعدوا في غمضة عين يا حبيبتي، ولما أرجع هنشتري فيلا أكتوبر اللي كان نفسك فيها، ووعد رجالة هعوضك”.
هزيت راسي وأنا دافنة وشي في صدره وبشهق، والدموع نازلة زي المطر، بس مكنتش دموع ضعف، دي كانت دموع النهاية، لأن قبل السفر ده بتلات أيام بالعدد، كمبيوتر البيت فضح كل حاجة، مفيش دبي، ومفيش عقد شغل، ومفيش شركة خليجية مستنياه، اللي كان موجود هو عقد إيجار شقة مفروشة لقطة في التجمع الخامس، مكتوب باسم سامح الدالي وندى منصور، ندى دي بقى خبيرة تجميل عندها ٢٩ سنة، ضحكتها بتنور وعاملة ضوافرها باللون الأحمر الفاقع، وفي نص الإيميلات كانت بعتاله صورة سونار ومكتوب تحتها: “هانت يا حبيبي، كلها كام يوم ونبقى مع بعض علطول، مريم الهبلة مش حاسة بحاجة”.
أنا فعلاً كنت حاسة بقالي فترة، لما يدخل الحمام يقفل بالمفتاح عشان يرد على تليفون، ولما يقلب شاشة اللاب توب أول ما أدخل الأوضة، ولما بقى يحط براندات برفان غالية وهو نازل لـ “اجتماعات بليل”، كنت بكدب عيني وأقول بلاش تخربي بيتك والراجل مضغوط، لحد ما ربنا أراد يكشفه واللاب توب سابه مفتوح على إيميل واحد… إيميل واحد هد حياتي كلها في ثانية.
واللي وجعني مش ندى، ولا حتى اللي في بطنها، اللي كسر ضهري بجد هو الفلوس، الحساب المشترك اللي فيه ١٥ مليون جنيه، ورث أبويا وأمي الله يرحمهم، شقا عمرهم اللي سابوهولي وسيلته وحطيته معاه في حساب واحد عشان قعد يقنعني إن “البيت اللي مفيش فيه ثقة ميبقاش بيت والفلوس واحدة يا مريم”، وطول الشهور اللي فاتت كان بيسحب منه على الهادي، مبالغ صغيرة في كبيرة، مقدم الشقة، العفش المودرن، الهدايا، السفر والفسح، كله كان من لحم أكتافي ومن ورث أهلي، كان بيبني حياته الجديدة بفلوسي أنا.
ليلتها متجننتش، ولا صرخت، ولا كسرت كوباية واحدة، قعدت بكل برود نقلت كل الإيميلات والوصولات وعقد الشقة على فلاشة، وبعتها للمحامي بتاعي، ودخلت السرير نمت ولما رجع الفجر وباسني من خدي وقالي “معلش يا روحي الشغل كان قالب الدنيا”، غمضت عيني وعرفت إني مش متجوزة راجل، أنا متجوزة ممثل بياخد لقطة ويمشي، وتاني يوم الصبح عملتله القهوة المظبوطة وكويتله القميص بكل هدوء وسألته: “طيارتك الساعة كام؟” قالي: “٩ ونص، هتوصليني؟” قولتله: “من عيني”.
طول الطريق على صلاح سالم كان عمال يرغي عن دبي والحر والشغل والعيشة هناك وإنه هيتبهدل من غيري، وأنا كابسة على الدريكسيون وباصة قدامي، وهو مش فاهم إن السكوت ده معناه إعدامه، ولما دخل صالة المطار وبصلي من بعيد ورفع إيده يحييني بابتسامة نصر، رفعت إيدي وأنا ببتسم، وأول ما اختفى، رجعت على عربيتي، مسحت دموعي نهائياً، وطرت على البنك.
مدير الفرع الأستاذ رأفت كان مستنيني والملف في إيده، وبصلي بقلق وقال: “مريم، أنتي متأكدة من الخطوة دي؟” قولتله: “وعمري ما كنت بكامل قوايا العقلية زي النهاردة”، زمان أستاذ رأفت أجبرني أفتح حساب شخصي ومستقل ليا ومحدش يعرف عنه حاجة للزمن، ويومها قولت عليه متشائم، بس النهاردة الحساب ده كان طوق النجاة، مضيت على الأوراق، وفعلت الأبلكيشن، وفي أقل من ربع ساعة، الـ ١٥ مليون جنيه اتمسحوا من الحساب المشترك… الرصيد بقى صفر.
كلمت المحامي بتاعي علطول وقولتله: “امشي في إجراءات الخلع والطلب يتقدم النهاردة حالا”، قالي: “نبعته على عنوان دبي اللي قولتلي عليه؟” بصيت على صورة عقد شقة التجمع وقولتله: “لا، ابعته على التجمع الخامس”.
بعدها بساعتين، وأنا في المطبخ بلم حاجتي وبشيل الماج اللي كان جايبهولي في عيد جوازنا عشان أرميه في الزبالة، تليفوني رن، كان هو، فتحت الخط وجالي صوته بيرتعش زي الفرخة المبلولة، ومبقاش فيه نبرة الراجل الواثق، صوته كان صوت حرامي اتمسك متلبس وهو بيقول: “أنتي عملتي إيه في الفلوس؟ الحساب فاضي!” قولتله بكل برود: “نقلتها”، زعق وقالي: “الفلوس دي بتاعتنا احنا الاتنين!” قولتله: “لا يا سامح، دي فلوس أبويا وأمي”.
الخط قطع منه ثواني، وسمعت قطف نفسه العالي وهو بيحاول يلاقي كدبة سريعة تنجده: “مريم اسمعيني، أنتي فاهمة غلط، أنا كنت هفهمك كل حاجة لما أرجع”، ضحكت بسخرية وكنت لسه هقفل في وشه، بس في اللحظة دي بالذات، سمعت صوت ندى من وراه وهي بتقول بدلع: “إيه يا حبيبي؟ دفعت مقدم العربية الجديدة ولا لسه؟”
في الثانية دي، اتأكدت إن سامح مطلعش من المطار أصلاً، هو لف ورجع على شقة التجمع عشان يبدأ حياته الجديدة، بس الصدمة اللي مستنياه ورا الباب، إن المحضر كان بيخبط على الشقة في نفس اللحظة دي بورقة الخلع، وسامح الدالي واقف في نص الصالة، حيلته نقطة، ومعهوش حتى تمن مواصلة يرجع بيها بيت أهله..