عدى أسبوع على الليلة دي، وحازم وعيلته مبقاش ليهم سيرة في السوق غير الفضيحة الكبيرة. الشغل في الشركة استقر تماماً بعد ما شلت اسمه من الإدارة وعينت مديرين بيفهموا بجد، والأسهم اللي كانت باسمه رجعت لحضني بالمليم. في يوم، وأنا قاعدة في الجنينة بتاعة الفيلا بشرب قهوتي الصبح والهدوء والراحة محاوطني من كل حتة، السواق بتاعي دخل وقالي: "يا شاهندا هانم، الباشمهندس حازم واقف برة عند البوابة الكبيرة، بقاله ساعتين وبيرجونا ندخله يقابل حضرتك خمس دقائق بس، ورجال الأمن برة مش راضيين يمشوه عشان شكله مبهدل قوي وصعبان عليهم." حطيت فنجان القهوة، وقلت له ببرود: "خليه يدخل." بعد دقيقتين، شفت حازم داخل من مشّاية الجنينة. مكنش هو حازم اللي شفته في المطار من أسبوع خالص؛ قميصه مبهدل، وشه دبلان، وعينيه دمعها قريب ومكسور. وقف على بعد كام خطوة مني، ومكنش قادر يحط عينه في عيني، وقال بصوت مخنوق ومبحوح: "إزيك يا شاهندا.. يارب تكوني مرتاحة." مردتش عليه، وفضلت باصة له بنظرة خالية من أي مشاعر. كمل كلامه وهو بيترعش: "أنا جاي وأنا عارف إني مستاهلش حتى تبصي في وشي. أنا غلطت وغلطي ملوش غفران.. أمي جالها جلطة خفيفة من الصدمة وقاعدة في مستشفى حكومي، وأختي جوزها طلقها لما عرف بالفضيحة والديون اللي علينا.. احنا اتمسح بينا الأرض يا شاهندا، وبقينا مش لاقيين تمن إيجار شقة قانون جديد نقعد فيها. أنا خسرت كل حاجة.. خسرت الفلوس والمركز، والأهم إني خسرت الست الوحيدة اللي صانتني وعملت لي قيمة." قعدت مريحة ضهري لورا، وأخدت نفس عميق وقلت له بنبرة هادية بس أقوى من الرصاص: "أنت مخسرتش ده كله بسبب غلطة يا حازم.. أنت خسرت لأنك بني آدم طماع وجاحد. عشر سنين وأنا بدفن عيوبك وبكبر في اسمك، وكنت راضية أعيش صغيرة عشان أنت تبان كبير.. بس أنت وعيلتك افتكرتوا طيابة قلبي دي قلة حيلة، وافتكرتوا إني هفضل مغفلة ومستحملة للأبد." دموعه نزلت وقال: "أرجوكي يا شاهندا، اتنزلي عن قضية خيانة الأمانة والتزوير.. مش عايز أتسجن، أنا مستعد أشتغل عندك خدام، أعملك أي حاجة، بس بلاش السجن.. أبوس إيدك." قمت وقفت، وبصيت له من فوق لتحت وقلت له بكل حسم: "القانون هياخد مجراه يا حازم، والملف اللي اتفتح مش هيتقفل إلا لما أخد كل مليم وكل حق ليا ولأبويا الله يرحمه. أحمد ربنا إني م رميتكش في السجن من زمان.. ودلوقتي، المقابلة انتهت، واتفضل اخرج برة بيتي لأن ريحة الخيانة مابحبهاش في مكاني." دير ضهره ومشي وهو بيجر رجليه وراه، مكسور ومنتهي، والندم بياكل في قلبه. بصيت للسما، وحسيت بنسمة هوا صافية بتخبط في وشي. مكنش جوايا شماتة، كان جوايا سلام ونظافة.. عرفت وقتها إن الست لما بتقرر تقف على رجليها وتنهي المأساة بإيدها، بتقدر تبني لنفسها حياة أحلى بمليون مرة، وتكتب لنفسها بداية جديدة كلها عزة وكرامة وفخر. حكايات شروق خالد مرت سنتين على اليوم ده، وحياتي اتقلبت 180 درجة للـأحسن. الشركة بتاعتي بقت من أكبر الشركات في السوق، واسم "شاهندا" بقى لوحده علامة تجارية بتضمن النجاح والأمان لأي مشروع يدخل فيه. نقلت مكاتبي لبرج إداري جديد في التجمع، وبقيت عايشة لنفسي ولشغلي وللخير اللي بحب أعمله. أما حازم؟ القضية أخدت مجراها الطبيعي، وبالمستندات والشيكات المبرشمة اللي كانت في "الملف المقفول"، المحكمة حكمت عليه بالسجن ثلاث سنين بتهمة التزوير وخيانة الأمانة. أمه وأخته سابوا منطقتهم القديمة بعد ما الفضيحة لفت على كل قرايبهم ومعارفهم، وعاشوا في شقة صغيرة بالإيجار، ومبقاش ليهم أي حس ولا عين تترفع في عين حد. وفي يوم من الأيام، وأنا قاعدة في مكتبي الجديد براجع ميزانية الربع السنوي، دخلت عليا السكرتيرة وقالت لي: "شاهندا هانم، فيه جواب جاي لحضرتك مسجل بعلم الوصول من سجن طرة.. ومكتوب عليه اسم حازم مرسي." بصيت للجواب للحظات. قلبي مدقش ولا ثانية، ومحستش بأي توتر. مديت إيدي وأخدت الجواب وفتحته. كان مكتوب بخط إيد مهزوز وضغيف: > "شاهندا.. > أنا بكتب لك الجواب ده من ورا القضبان، وأنا خلاص بقضي آخر كام شهر ليا هنا. أنا مش طالب منك فلوس ولا طالب تنازل، أنا عارف إن كل حاجة انتهت. أنا بس بكتب لك عشان أقولك إن السجن الحقيقي مش الأوضة الضلمة اللي أنا محبوس فيها.. السجن الحقيقي هو ندمي اللي بياكل في قلبي كل ليلة وأنا بفتكر ملامحك في المطار وأنتِ شيفاني ببيعك بـ رخيص. > أنا اللي كنت مغفل، وأمي وأختي هما اللي عموا عيني عن الجوهرة اللي كانت في إيدي. أنا اتعاقبت، والعقاب عادل. بتمنالك النجاح اللي أنتِ تستحقيه، وأتمنى في يوم تقدري تسامحيني.. لو مش عشاني، عشان تريحي روحك من سيرتي." > طبقت الجواب بكل هدوء، ومزقته نصين، ورميته في باسكت الزبالة اللي جنب المكتب. بصيت من الشباك الإزاز الكبير اللي كاشف الشوارع والعربيات من فوق، وابتسمت ابتسامة رضا صافية. حازم ميعرفش إني مش شايلة منه ولا زعلانه.. أنا نسيت أصلاً! روحي ارتاحت واتطهرت من يوم ما قفلت الباب في وشهم. المسامحة مش معناه إني أرجعك حياتي، المسامحة هي إني أمحيك من ذاكرتي وكأنك لم تكن. شيلت شنطتي الشيك، ولبست نظارتي، وخرجت من مكتبي وأنا سامعة همسات الإعجاب والتقدير من الموظفين بتوعي وهما بيسلموا عليا. نزلت ركبت عربيتي، ودورتها، وطول الطريق كنت مشغلة أغنية هادية والكون كله بيضحك لي.. لأن الست الذكية القوية، لما بتقفل صفحة الغدر، ربنا بيفتح لها كتاب كله نصر وفرح وعزة مابتنتهيش. جوزي سابني في صالة السفر! حكايات شروق خالد