تظاهرتُ بأنني ابن امرأة مسنّة
— سمعت أنك تذهب أيامًا إضافية.
— أحيانًا فقط.
— لماذا؟
— لأنها تشعر بالوحدة.
ساد صمت قصير قبل أن يقول ببرود:
— إنها مصابة بالخرف يا جيريمي. تنساك بعد خمس دقائق من خروجك.
نظرت إلى الأرض للحظة ثم أجبت بهدوء:
— ربما… لكنها تتذكر أثناء وجودي معها.
أغلق الخط دون أن يضيف كلمة واحدة.
لكن كلماته لم تغادر رأسي، حتى جاء ذلك اليوم الذي غيّر كل شيء.
كنا نجلس قرب النافذة بينما كانت قطرات المطر تنقر الزجاج بهدوء. فجأة أمسكت روزي بيدي ونظرت إليّ طويلًا، أطول من أي مرة سابقة، ثم قالت بصوت واضح بشكل لم أسمعه منها منذ عرفتها:
— أنت رجل طيب يا بني.
ابتسمت، لكنها لم تترك يدي. ظلت تحدق في عينيّ للحظات قبل أن تهمس:
— أعرف أنك لست ابني.
توقف قلبي.
اختفت الغرفة من حولي وكأن العالم كله تلاشى في لحظة واحدة.
— ماذا…؟
ابتسمت برفق بينما لمعت الدموع في عينيها.
— عرفت ذلك منذ أول يوم.
لم أستطع الكلام.
— وجهي ينسى أحيانًا… لكن قلبي لا ينسى.
انحنيت نحوها مذهولًا.
— لماذا لم تقولي شيئًا؟
ربتت على يدي وقالت بهدوء:
— لأن ابني الحقيقي لم يأتِ… وأنت أتيت.
ساد بيننا صمت ثقيل ومؤلم وجميل في الوقت نفسه.
ثم أضافت:
— لم يهمني من تكون… المهم أنك بقيت.
في تلك الليلة جلست داخل سيارتي لأكثر من ساعة بعد انتهاء الزيارة. لم أستطع تشغيل المحرك. كانت كلماتها تدور في رأسي بلا توقف.
“المهم أنك بقيت.”
ولأول مرة منذ سنوات طويلة… بكيت.
بكيت مثل طفل صغير، لأن امرأة لا تربطني بها أي صلة دم جعلتني أشعر أنني ابن لأحد.
وبعد يومين فقط، بينما كنت في العمل، رن هاتفي. وما إن رأيت اسم دار الرعاية على الشاشة حتى عرفت أن شيئًا سيئًا قد حدث.
— ألو؟
جاءني صوت المديرة هيلين هادئًا أكثر من اللازم.
— جيريمي… أريدك أن تأتي.
قبل أن تكمل الجملة كنت قد عرفت.
أغمضت عيني وهمست:
— روزي؟
ساد الصمت لثوانٍ، ثم قالت:
— رحلت أثناء نومها الليلة الماضية…
في تلك اللحظة اختفى كل شيء من حولي.
أصوات السيارات.
الناس.
الشارع.
حتى الهواء بدا وكأنه توقف.
لم أسمع سوى دقات قلبي.
في الجنازة كان الحضور قليلًا.
بعض العاملين في دار الرعاية، وعدد محدود من الأقارب، وتيم… ابنها الحقيقي.
وقف بعيدًا طوال الوقت.
لم يبكِ.
لم يقترب من النعش.
ولم ينظر إليه إلا نادرًا.
أما أنا فكنت أشعر وكأنني أودع فردًا من عائلتي، ولأول مرة راودني إحساس غريب بالذنب لأن حزني عليها بدا أكبر من حزن ابنها نفسه.