يوم رجوع جوزي

عين ابنها عشان مايشوفش.
ليلى لزقت فيا وهي بترتعش، وماقدرتش تبص تاني.
قمت قفلت الستارة..
من غير ولا كلمة.
الساعة سبعة بالظبط، المفتاح لف في الكالون.
شريف دخل وجارر وراه شنطة السفر، وبيمصمص شفايفه وهو بيقلع جزمته بزهق
الفيليه جاهز؟ قولتلك مية مرة بلاش تنشفيه…
سكت فجأة أول ما شاف السفرة جاهزة ومتظبطة، ملامح وشه هديت شوية.
ساب الشنطة في الطرقة زي عادته، وقرب من الأطباق ووطى يشم ريحة الصوص.
تمام.. شكله مظبوط.
أنا كنت لسه قاعدة مكاني على السفرة.
ماقُمتش.
كنت بكتفي إني باصة له وبس.
كان لابس جاكيت رمادي مقفول بسوستة لحد رقبتة، شعره كان منكوش شوية، والهالات السودا تحت عينه أغمق من الطبيعي. للوهلة الأولى، يبان إنه راجل مانامش بقاله كام يوم.
مالك؟ سأل وهو بيضم حواجبه باستغراب.
هو يا دوبك لسه واخد باله من سكوتي.
بصيت له كام ثانية كمان..
وبعدين قولتله بصوت هادي جداً
حبيبي…
بصيت له كام ثانية كمان..
وبعدين قولتله بصوت هادي جداً
حبيبي… في حاډثة حصلت تحت البيت.. في بنت صغيرة ماټت في مكانها.
إيده اتجمدت في مكانها لجزء من الثانية..
يا دوبك لمحته.
كان لسه هيمد إيده يقطع حتة فيليه من الطبق، بس صوابعه وقفت في الهوا كأن كهربا ضړبتها. حركة عينه وهي بتتحول من طبق الأكل لوشي كانت سريعة، مړعوپة، ومش طبيعية بالمرة. ملامح الوش الهادي المسترخي، اللي كان لسه جاي يمارس سلطته المعتادة ويشتكي من الأكل، اتبخرت في أقل من لمح البصر.
وبعدها، في لحظة، لقيته نازل يجري على السلم زي المچنون اللي عقله طار منه.
ماستناش حتى الأسانسير يطلع له. ساب باب الشقة مفتوح وراه، وصوت خطواته وهي بتدب على درجات السلم الرخام كان عالي وبيرن في
العمارة كلها، كأنه صوت طبول بتعلن عن مصېبة.
أما أنا.. فضلت واقفة في مكاني.
وبكل برود، مسكت تليفوني.
ليلى بنتي كانت واقفة ورايا، ماسكة في طرف عبايتي البيتي وهي بترتعش. صوت سارينات عربيات الشرطة والإسعاف تحت بدأ يعلى ويدخل من الشيش المقفول. المكان بره كان بيتحول لسرادق ڠضب وخوف، وأنا هنا.. جوه المطبخ.. في قمة الثبات.
بصيت على الشاشة. التليفون كان فيه مكالمة لم يُرد عليها من رقم غريب، جالي الساعة خمسة ونص، وأنا بقلّب الفيليه في الزيت. الرقم ده أنا ما اهتميتش أرد عليه وقتها عشان كنت مشغولة بال منيو المقّدس. بس دلوقتي.. الروابط بدأت تتجمع في دماغي زي قطع بازل خبيثة ولعينة.
رجعت بالذاكرة لورا.. تلات سنين كاملين.
افتكرت الخناقة الكبيرة اللي حصلت بين شريف وبين أخوه الصغير حازم. حازم كان مستهتر، بتاع بنات وسهر وسواقة مچنونة. وفي ليلة من الليالي، شريف رجع البيت ووشه أصفر زي الليمونة، وقفل على نفسه وعلى أخوه باب المكتب. أنا وقفت ورا الباب وسمعت شريف وهو بيزعق بصوت مكتوم أنا لمېت وراك المصېبة دي المرة دي يا حازم.. بس المرة الجاية لو لمست عربيتي الكيا البيضا تاني، أو شوفتك سايق وأنت مش في وعيك، أنا اللي هسلمك بإيدي.. أنت كنت ھتموت روح!
العربية البيضا.
العربية اللي وشها مفروم تحت في الشارع دلوقتي.. هي عربية شريف الكيا البيضا اللي بقالها أسبوعين مع حازم بحجة إن عربية حازم في التوكيل. شريف ماجاش بالدائري في أتوبيس السوبر جيت زي ما قالي.. شريف كان في العربية دي، أو كان سايق وراها.. أو..
فتحت الستارة تاني براحة.
الشارع تحت كان منور بكشافات ليد زرقاء وحمراء بتاعة عربيات النجدة. شريف كان واقف في نص الدايرة، وسط الناس والظباط. كان ماسك راسه بإيديه الاتنين، ونازل على ركبه في الطين والدم اللي مغرق الأسفلت. من بعيد، كان يبان زي أب مكلوم بيبكي على بنته.. بس أنا عارفة جوزي. شريف مابيبكيش على حد غير نفسه. المنظر ماكنش زعل.. المنظر كان اڼهيار كامل لمهندس ديكور حياته اللي اتهدت فوق دماغه.
قربت من ليلى، وطيت لمستواها، وابتسمت لها ابتسامة هادية
ليلى يا حبيبتي.. ادخلي أوضتك والعبى بالعروسة الجديدة، وماتفتحيش الشباك خالص، ماشي؟
البنت هزت راسها پخوف وجريت على جوه.
قعدت على الكرسي في الصالة، وحطيت رجل على رجل.
الساعة بقت تمانية إلا ربع بالليل. الأكل على السفرة بدأ يبرد. صوص السويت آند ساور عمل قشرة خفيفة على الوش، والجمبري بالثوم فقد بريقه اللامع. كل المجهود، كل السنين اللي عشتها بتعلم فيها إزاي أكون الزوجة المثالية اللي بتقدم الطلبات بالملّي عشان تتفادى نظرة تقليل أو كلمة ټجرح من جوزها أو أمه.. كل ده حسيت إنه انصهر في ثانية واحدة قدام منظر الوردات البيضا المطرّزة على غوشة البالطو البيج بتاع البنت اللي ماټت تحت.
الوردات دي.. أنا عارفاها.
دي كانت ورشة عمل يدوية أنا اشتركت فيها من شهرين مع جارتنا في الدور الرابع، مدام سلوى. مدام سلوى عندها بنت وحيدة اسمها فريدة، عندها 9 سنين. فريدة كانت بتيجي تلعب مع ليلى أوقات. البالطو ده، سلوى كانت مطرزاه بإيدها لبنتها عشان الشتا.
يعني البنت اللي ماټت تحت.. هي فريدة. بنت جارتنا.
واللي داسها.. هو إما جوزي، أو أخوه بالعربية بتاعة جوزي.
صوت الباب اتفتح براحة.
دخل شريف. وشه ماكنش فيه نقطة ډم واحدة. جاكيته الرمادي كان متبهدل تراب، وعينه كانت زايفة، بتلف في الشقة كأنه بيدور على مخبأ. قفل الباب وراه بالترباس، وسند بضهره عليه وهو
بيلهث كأنه كان بيجري ماراثون.
بصيت له ببرود وسألته
غسلت إيدك؟ عشان الأكل هيبرد.
شريف بص لي بنظرة ړعب، كأني شبح واقف قدامه
أكل؟

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *