كنت فاكر انى رايح بيت مراتي المرحومه
https://pub139.lamha.news/133788كنت فاكر إني رايح بيت مراتي المرحومة اللي في الجبل عشان أودعها وأقفل صفحة الماضي.. بس الصدمة لما لقيت طفلتين توأم حفيانين على المصطبة، ماسكين لقمة عيش ناشفة كأنها قشة التعلق بالحياة.. وبعد دقائق واحدة منهم همست باسم مراتي الميتة وشاورت على ممر سري مكنش حد في الكون يعرفه غيرها!
أنا اسمي سليم، وبعد تلات سنين من وفاة مراتي نادين، كنت لسة مش عارف أعيش وسط السكوت القاتل اللي سابته وراها. البيت الريفي المعزول اللي فوق جبل في طريق سانت كاترين كان هو المكان اللي بنهرب فيه من الدنيا كلها. نادين كانت بتموت في المكان ده أكتر من أي حتة في العالم، وبعد ما ماتت، مكنتش قادر أهوب ناحيته. دكتور علم النفس كان بيقول لي دي خطوة عشان تتخطى الحزن، بس أنا كنت شايفها عذاب ملوش آخر. على ما وصلت بعربيتي الجيب على مطلع الطريق المدق يوم الجمعة بالليل، كنت واخد قراري إني مش هقعد كتير؛ ليلة واحدة بالكتير أو أقل. البيت المبني من الطوب والحجر
كان زي ما سيبته بالظبط، السقف مأثر فيه المطر، والشجر كبر حوالين الجنينة، وبتاعة الفخار اللي نادين كانت معلقاها جنب الباب لسة بتتهز مع هوا الجبل. لثانية واحدة مستحيلة، اتخيلتها خارجة وبتبتسم لي وهي لابة قميص من قمصاني الكاروهات الواسعة. بس اللي كان واقف هناك حد ثاني خالص.. طفلتين صغيرين. في الأول، من الصدمة، افتكرت نفسي اتجننت وبقيت أهلوس من كتر الحزن. كانوا واقفين من غير ولا حركة جنب سور المصطبة، بيبصوا لي بعيون واسعة زرقا وباهتة؛ ميكملوش سبع سنين. حفيانين، وهدومهم متبهدلة، وخسيتهم تخلي قلبك يتقطع. كل واحدة فيهم كانت قافشة في إيدها الصغيرة على حتة عيش ناشف ومعضوض. لا واحدة ابتسمت، ولا واحدة نطقت بكلمة. الجبل كله كتم نفسه حوالينا. نزلت من العربية براحة، ودقات قلبي بتزيد مع كل خطوة بقربها منهم. لما قربت، شكل التوأم كان يصعب على الكافر؛ شعرهم الأصفر متبهدل ومقصوص بغشامة كأن حد قصه بمقص سمك، والطين مغرق فساتينهم الدبلانة، والخدوش مالية دراعتهم وركبهم. ومفيش أي بني آدم في المكان. مفيش عربية مركونة، مفيش صوت حس، مفيش أي أثر لأب أو أم.. مفيش غير الشجر وبس. نزلت على ركبي قدام سلم المصطبة وقلت بحذر أهلاً يا حلوين.. أنا عمو سليم، أنتوا اسمكم إيه؟ البنت اللي على الشمال شاورت على نفسها وقالت ملك. وبعدين شاورت على البنت الثانية مليكة. حركتهم كانت متطابقة بالظبط بشكل غريب يقبض السير. أنا بقالي سنين بدير صفقات واستثمارات بملايين الجنيهات مع حيتان السوق اللي ميعرفوش الرحمة، بس الوقفة قدام الطفلتين المرعوبين دول خلتني أحس إني عاجز ومفيش في إيدي حاجة. سألتهم بصوت واطي أمال فين ماما؟ السؤال ده غير كل حاجة في ثانية. مليكة وطت راسها في الأرض فوراً، وملك قفشت على حتة العيش الجامد أكتر، ومحدش فيهم رد. حجر ساقع اتكون في صدري وسألتهم أنتوا جعانين يا بنات؟ ملك هزت راسها براحة. أمال مش بتاكلوا العيش ده ليه؟ التوأم بصوا لبعض بنظرة طويلة، وبعدها ملك همست بكلام وجع قلبي ووقف نفسي ماما قالت لنا شيلوه واوعوا تأكلوه. تشيلوه عشان إيه؟ سألتها مستغرب. محدش رد؛ وبدل الكلام، لفوا راسهم هما الاتنين ببطء ناحية الغابة والشجر الكثيف اللي ورا البيت.. ناحية الممر الضيق المستخبي بين الشجر. الممر ده بالذات اللي نادين مراتي كانت بتمشي فيه كل يوم قبل الغروب؛ مكنش فيه مخلوق على وجه الأرض يعرف طريق الممر ده غيرها.. مفيش حد واصل له أبداً! جسمي كله قشعر والدم اتجمد في عروقي. في اللحظة دي، مليكة بصت لي تاني، وبصوت بيرتعش همست بالكلمة اللي خلت قلبي يقف من الرعب طنط نادين قالت لنا إنك هتيجي! قلبي كان هيقف؛ لأن مستحيل، مستحيل باي شكل من الأشكال البنات دول يكونوا عرفوا اسم مراتي الميتة من تلات سنين! وفجأة، وسط الضلمة والشجر الكثيف ورا البيت، فيه حاجة اتتحركت بسرعة بين الجذوع وصوت خروشة غريب بدأ يقرب!
يا ترى إيه السر المرعب اللي مستخبي في الممر السري ورا البيت؟ وإزاي الطفلتين
لمحة نيوز