عصايه نادين ج٢ شروق خالد

ثم قامت بطي بقية المعطف فوق الطفل.

الطفل فقط.

#حكايات_شروق_خالد
لمتابعة الرواية كاملة صلي علي النبي محمد

صلى الله عليه وسلم.
وقف دانيال مكانه، وأنفاسه تخرج كغبار أبيض في الهواء البارد. نظر إلى الطفلة التي كانت ترتجف بقميصها الخفيف، بينما ذراعها المكسورة تتدلى بغرابة، وعيناها تحملان خوفاً يفوق عمرها بكثير.
“ما اسمكِ يا صغيرة؟” سألها دانيال بصوت خفيض محاولاً ألا يخيفها.
نظرت إليه بتردد، وشفتيها الزرقاوين تتحركان بصعوبة: “ميا… وأختي اسمها ليلي”.
“ميا، الطبيب في طريقه إلينا. لكن أخبريني، من أين جئتِ؟ أين عائلتكِ؟”
التفتت ميا برأسها نحو الظلام الدامس خلف الطريق السريع، حيث تمتد منطقة المستودعات القديمة المهجورة التي توقفت الحركة فيها منذ سنوات. أشارت بسبابتها المرتجفة نحو مبنى ضخم رمادي تتآكل أطرافه وحديده مخربش بالصدأ.
وقالت بكلمات متقطعة كادت تقطع قلب دانيال: “أمي… أمي في الداخل. لقد سقطت… ولم تعد تتحرك. قالت لي أن آخذ ليلي وأركض نحو الأضواء… نحو الطريق… لكنني سقطت وانكسرت ذراعي… ولم أستطع ترك ليلي”.
في تلك اللحظة، لمعت أضواء سيارة الإسعاف والشرطة من بعيد، وبدأت أصوات السرائن تقترب. التفتت ميا برعب وحاولت التقاط أختها لتفر مجدداً، لكن دانيال وقف بلطف بينها وبين الطريق، وقال لها: “أنا معكِ. لن يؤذيكِ أحد. تذكرين؟ الطبيب هنا من أجل ليلي ومن أجلكِ”.
عندما وصلت سيارات الإسعاف والشرطة، لم ينتظر دانيال كعادته ليسلم الأمر للمختصين ويرحل. شيء ما في داخله صرخ أن يتحرك. تذكر كيف كان يهرب من الألم منذ وفاة زوجته، لكن هذه المرة، قاده الألم إلى حقيقة أخرى.
توجه دانيال سريعاً إلى الضابط المسؤول وأخبره بما قالته الطفلة. تآمر الضابط مع اثنين من رجاله، وأخرجوا كشافاتهم القوية متوجهين نحو المستودع المهجور، وتبعهم دانيال رغم تحذيراتهم.
اخترقوا الحشائش الجافة العالية حتى وصلوا إلى بوابة المستودع الحديدية التي كانت مواربة. كانت الرائحة في الداخل خانقة؛ رطوبة، وعفن، وشيء آخر يشبه الموت.
وجّه الضابط كشافه نحو زاوية المستودع، وما كشفه الضوء جعل الجميع يتنفسون بصعوبة.
كان هناك فراش ممزق على الأرض، وفوقه ترقد امرأة شابّة، شاحبة كالأشباح، وعيناها مغمضتان. بجانبها كانت هناك زجاجات ماء فارغة، وعلب طعام منتهية الصلاحية. لكن الصدمة لم تكن هنا فحسب…
السر المظلم الذي كشفه الكشاف في زاوية المستودع الأعمق، هو أن الباب الخلفي للمستودع كان مغلقاً بسلاسل حديدية ضخمة من الخارج، وهناك لوحة خشبية مكتوب عليها بخط يدوي غليظ: *”ممتلكات خاصة – يمنع الدخول أو الخروج”*، وبقايا ملابس وأدوات تشير إلى أن هذه العائلة لم تكن تختبئ هنا طوعاً، بل كانت هناك مؤشرات على احتجاز أو هروب من تهديد مرعب أرغمهم على العيش في هذا الجحر المظلم كالسجناء.
تقدم المسعف الذي رافقهم بسرعة ونبش عن نبض المرأة. التفت إلى الضابط وهز رأسه إيجاباً: “نبضها ضعيف جداً! إنها تعاني من جفاف حاد وصدمة تعفن دموي، لكنها ما زالت على قيد الحياة!”
تم نقل الأم على وجه السرعة إلى المستشفى لحاقاً بابنتيها.
في المستشفى، جلس دانيال ويتمور في الممر الخارجي. بدلت بدلتها الفاخرة آثار الطين والحصى، لكن لأول مرة منذ خمس سنوات، شعر أن قلبه ينبض لسبب حقيقي. لم يغادر. انتظر حتى خرج الطبيب ليطمئنه أن الأم تجاوزت مرحلة الخطر بفضل سرعة إنقاذها، وأن ذراع ميا تم تجبيرها وهي نائمة الآن بجوار أختها ليلي بسلام.
دخل دانيال إلى الغرفة، ونظر إلى الأطفال الثلاثة (الأم والفتاتين) الذين نجوا من تلك الليلة المظلمة. تذكر شيكات التبرعات التي كان يكتبها ليشتري بها راحة باله، وابتسم بمرارة؛ فالمال لم يكن لينقذ ميا تلك الليلة، بل وقوفه على حافة الطريق هو ما صنع الفارق.
قرر دانيال في تلك الليلة أنه لن يكون مجرد متبرع بعد الآن، بل سيكون السند الذي يحمي هذه العائلة، وسيتكفل بجميع مصاريفهم القانونية والطبية ويكشف سر ذلك المستودع ومن كان وراء حبسهم، ليعيد لعالمهم الدفء الذي افتقدوه طويلًا.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *