مكتب جوزي حكايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
​كنت داخلة مكتب جوزي عشان أقوله على خبر ورثي اللي كان مفروض يغير حياتنا إحنا الاتنين.. بس بدل ما أستقبله بفرحة، لقيت المأذون بيمد إيده على ترابيزة الاجتماعات وبيحط قدامي وثيقة رسمية وبيقولي بكل هدوء: “يا مدام ندى.. جوازكم انتهى رسمياً من شهريين.”
​لثواني كده، مسمعتش أي حاجة غير صوت التكييف العالي في الأوضة. صوابعي اتشنجت على الظرف اللي في إيدي.. الظرف اللي فيه وصية طنط كاميليا. 350 مليون جنيه، ونسة أسهم حاسمة بتديلك حق الإدارة والسيطرة في شركة “العقاد للتكنولوجيا”. أنا كنت رايحة أقول لطارق قبل أي حد تاني، عشان بعد 8 سنين جواز، كنت لسه هبلة وبصدق إننا إيد واحدة وفرق واحد.
​”ده مستحيل..” همست وأنا مش مصدقة، “طارق كان نايم جنبي في البيت إمبارح بالليل!”
​المأذون، الأستاذة عفاف، كان باين عليها الصدمة ووالله شكلها زعلت عشاني. محكمة الأسرة كانت طالبة الاستعلام عن الحالة الاجتماعية قبل ما ينقلوا التركة رسمي باسمي. الملف اللي قدامها كان فيه إن طارق هو اللي رفع دعوى الطلاق، وادعى إني سبت بيت الزوجية وهربت، وبعتلي الإعلانات على شقة في الإسكندرية أنا عمري ما دخلتها ولا أعرف طريقها! وغير كل ده، فيه إقرار تنازل إلكتروني متبصم بإمضائي، بنفي فيه رغبتي في أي جلسة أو أي حقوق مالية!
​تليفوني زنّ في لحظتها.. لقيت رسالة من طارق: “معلش يا حبيبتي متأخر في شغل.. نتعشى الساعة 8؟ بحبك.”
​الأستاذة عفاف بصت في وشي وقالتلي: “إنتي ممضيتيش على الورق ده، صح؟”
​رديت بصوت مقطوع: “لأ.. عمري ما شفته.”
​طلبت مي، المحامية اللي كانت مسكة ملف تركة طنط كاميليا. ثلث ساعة وكانت واصلة، وقعدت تقلب في ورق الق\ضية والدعوى. وشها اتغير تماماً ولونها خطف لما وصلت للإيميل المكتوب في إقرار التنازل.. الإيميل ده كان معملوب قبل تقديم الطلب بـ 3 أيام بس، ورقم التليفون المسجل عشان الاسترداد كان بيخلص بنفس الأربع أرقام بتوع تليفون طارق الشخصي!
​مي بصتلي وقالت بثقة: “إحنا نقدر نرفع ق\ضية فوراً ونلغي الطلاق ده ونثبت التزوير.”
​بصيت من ورا القزاز المطبم المتركب في الدور الإداري.. لقيت ندى، سكرتيرة طارق، طالعة من مكتبه ولاابسة الحلق الألماس اللي أنا كنت مدياه لطارق يرجعه للمحل بعد ما الغى حجز عيد جوازنا! لقيتها بتمسح على كرافتته، وهو باسها من دماغها وبص حواليه بنفس نظرة الخوف والحرص بتوع الراجل اللي مخبي مصيبة.
​في اللحظة دي.. فيه حاجة جوايا اتكسرت، واتبدلت ببرود مرعب.
​بصيت لمي وقلت لها: “لأ.. متلغيش الطلاق دلوقتي. طالما الوثيقة دي شغالة والطلاق قائم.. يبقى الورث ده بتاعي لوحدي تماماً ومحدش يقدر يلمس منه قرش ولا يعتبره مال مشترك.”
​مي فهمت اللعبة في ثانية وابتسمت. تركة طنط كاميليا مكنتش مجرد فلوس سايبة في البنوك.. دي كانت فيها 58% من أسهم شركة “العقاد”.. الشركة اللي طارق شغال فيها كرئيس تنفيذي وبيتنك بيها على خلق الله! طارق قعد سنين يتريق على شغلي ويقول عليه “جمعيات خيرية ولعب عيال”، وهو مايعرفش إن طنط كاميليا كانت ممرناني ومفهماني إزاي أقرأ كل التقارير المالية وميزانيات الشركة ومحاضر مجلس الإدارة!
​طبقت رسالته الرومانسية المزيفة وحطيتها تحت قبالة الطلاق المزورة، وبصيت لمي وقلت لها ببرود:
​”سيبيه يفكر إن حيلته دخلت عليا وإنه كسب المعركة.. وبعدها على طول، اطلبي اجتماع طارئ للجمعية العمومية والمساهمين.”​على مدار الست أيام اللي بعدهم، تصرفت بالظبط زي ما طارق متوقع. كنت بعمل الفطار، وبسأله عن اجتماعاته، وبسمعه بالصبر وهو بيشتكي إن مجلس إدارة “العقاد” مش مقدّر عبقريته. حتى ما لاحظش إني قلعت دبلة الجواز! كان مشغول زيادة عن اللزوم وهو بيبتسم لرسائل ندى اللي بتجيله على الموبايل.
​بالليل، وبعد ما كان بينام، كنت بقعاد أنا ومي في مكتبة طنط كاميليا نشتغل. أوراق التركة كشفت إن أرباح شركة “العقاد” كانت ممتازة، بس طارق كان مَسَرّب مليون و800 ألف دولار لحساب شركة استشارات اسمها “فانتاج استراتيجي”. ندى كانت متأسس الشغلة دي من 11 شهر واستخدمت عنوان أختها! والتقارير المالية أثبتت إن حسابات الفنادق، والمجوهرات، ومقدم الشقة الفخمة، كلهم كانوا متغطيين تحت بند “تطوير علاقات العملاء”!
​الطلاق المزور ده مكنش مجرد هروب طايش.. ده كان جزء من خطة مترتبة صح.
​طارق كان مستني مكافأة أداء ضخمة بعد صفقة الاستحواذ القادمة لشركة العقاد. ولما ينهي جوازنا في السر قبل ما الفلوس دي تنزل، كان فاكر إنه يقدر يحتفظ بالمكافأة لنفسه، ويهرّب فلوس الشركة عن طريق شركة ندى الوهمية، ويسيبلي أنا الكفاف أو الشوية اللي يقرر يفصح عنهم! وكان عايش معايا عادي في البيت عشان ما أشكش في حاجة ولا أدور وراه لحد ما الصفقة تتم.
​”ده قدم إقرار رسمي تحت القسم إنه بذل كل جهده عشان يوصل لعنوانك وملاقكيش!” مي قالتها وهي بتوريني صور لينا وإحنا بنحضر حفل خير في مستشفى في نفس الفترة اللي المفروض كان بيدور عليا فيها! وقالت: “دي إدانة صريحة وتزوير في أوراق رسمية قدام المحكمة.”
​كنت حاسة بإهانة وكسرة نفس مش طبيعية.. بس الإهانة دي ممكن تتحول لانضباط وقوة لما توظفيها صح.
​وبصفتي مالكة أغلبية الأسهم الجديدة في شركة “العقاد”، مضيت على قرار رسمي بتعيين نفسي في مجلس الإدارة. وانضم ليا تلاتة من أعضاء المجلس المستقلين بعد ما مي عرضت عليهم نتيجة المراجعة المالية. جمدنا صفقة الاستحواذ فوراً، وتحفظنا على السيرفرات والإيميلات، وأجرنا مكتب محاسبة جنائي. وبلغنا شركة التأمين والمستشار القانوني الخارجي للشركة، عشان متكونش قدام طارق أي فرصة يمسح فيها أي دليل.
​ندى بدأت تزيد فيها وتتساهل.. بعتتلي رسالة من تليفون طارق بتقول: متستنينيش على العشا.. فيه اجتماع مجلس إدارة طارئ.
​طبعاً مكنش فيه أي عشا ولا اجتماع.. التحريات والمسؤولين اللي أجرناهم صوروا طارق وندى وهما داخلين الشقة اللي اتشرت بفلوس شركة “فانتاج”.
​تاني يوم الصبح، طارق أخيراً لاحظ إيدي الفاضية، وقال: “هي فين دبلتك؟”
​رديت ببرود: “بتقيّم في المحل.”
​وشه اتشد وقال: “ليه؟”
​”كنت حابة أعرِف قيمتها الحقيقية كام بالظبط.”
​لثانية واحدة، شفت الخوف بيمر في عينيه.. بس غروره رجع بسرعة. باس دماغي وقال: “إنتي بتقلقي زيادة عن اللزوم يا ندى.”
​الساعة عشره بالليل، سكرتير مجلس الإدارة سلم إخطار باجتماع طارئ لمجلس الإدارة يوم الجمعة. طارق اقتحم المطبخ وهو بيطوّح الجواب في الهواء.
​قال بعصبية: “أسهم كاميليا اتنقلت! فيه مستثمر مجهول بيحاول يحط إيده على شركتي!”
​سألته: “شركتك إنت؟”
​ضرب بكتفه على الرخامة وقال: “أنا اللي بنيتها! واللّي ورث الأسهم دي هيعرف إن الملكية مش معناها السيطرة والإدارة!”
​بصيت في عينيه بثبات وقلتله: “أعتقد لازم تلبس البدلة الكحلي يوم الجمعة.”
​ضحك بصوت عالي، وهو فاكر إني لسه الزوجة المطيعة المغفلة اللي هو مسحها من حياته خلاص.
​صباح يوم الجمعة، دخلت المقر الرئيسي لشركة “العقاد” من الباب الخاص بأعضاء مجلس الإدارة. مي كانت ماشية جنبي ومقاسكة ملف الطلاق المزور، والتقرير المالي، وقرار تعييني كرئيسة لمجلس الإدارة. ورا أبواب غرفة الاجتماعات المقفولة، كان طارق واقف بيتكلم مع ندى في السر وبيقولها إن على الضهر، المستثمر المجهول ده هيكون بPlatform وتحت رجليه بيترجاه عشان يعمل معاه صفقة.
​وفي اللحظة دي.. الأبواب اتفتحت.​أول ما أبواب القاعة اتفتحت، السكوت طَبّ على المكان فجأة.
​طارق كان واقف في صدر الأوضة وهو ماسك القلم ومستعد يبدأ معركته، ضحكته الواثقة اختفت في ثانية لما شافني داخلة. عينيه اتسعت من الصدمة، وبص لـ مي، وبعدين بصلي أنا ورجع بص للملف المجلد بالجلد اللي في إيدي.
​ندى، اللي كانت واقفة وراه مستعدة تاخد الملاحظات، وُشها اتقلب أصفر وخطفت إيدها بسرعة من على كرسي طارق.
​”ندى؟” طارق نطق اسمي وهو متلخبط ومذهول، “إنتي بتعملي إيه هنا؟ ده اجتماع مجلس إدارة مقفول.. ما ينفعش تتواصلي مع…”
​”صباح الخير يا طارق،” قطعت كلامه بنبرة أبرد من التلج وأنا بمشي باتجاه رأس الترابيزة.
​مي مشيت جنبي وحطت الملفات المطبوعة على الترابيزة قدام أعضاء المجلس. التقرير المالي الجنائي، كشوفات حسابات شركة “فانتاج”، والأهم من كل ده.. نسخة وثيقة الطلاق المطبوعة.
​طارق بص للورق، ولما قرا العنوان العريض بتاع وثيقة الطلاق، شفايفه أترعشت. الرعب الغشيم دخل في عينيه لما أدرك كل حاجة في ثانية واحدة.. أدرك إن الخطة اللي عملها عشان يسرقني بيها، هي نفسها اللي سلبت منه كل سلطة في المكان ده.
​”يا جماعة،” طارق حاول يتدارك الموقف وهو بيتبسم ابتسامة صفرا ومربوكة وبيبص لأعضاء المجلس، “فيه لخبطة.. مراتي مش فاهمة الشغل بيمشي إزاي، دي أمور عائلية ومكانها مش هنا…”
​”أنا مش مراتك يا طارق،” قلتها وأنا ببص في عينيه بصة مفيهاش أي رحمة، “إنت بنفسك ضمنت النقطة دي من شهريين.. لما زوّرت توقيعي وطلقتني في السر عشان تخبي عني أرباح الشركة وتاخد كل حاجة لنفسك.”
​همهمات الذهول والصدمة اتعالت بين أعضاء مجلس الإدارة. أعضاء المجلس المستقلين اللي مي اتكلمت معاهم هزوا رؤوسهم بأسف وقرف.
​طارق بص لـ ندى بغضب مرعب، وبعدين بصلي وقال وصوته بيرتجف: “ندى.. إنتي فاهمة غلط.. أنا أقدر أشرحلك كل حاجة.. إحنا نطلع مكتبي ونـ…”
​”مافيش حاجة تتشرح،” مي فتحت بقها وواجهته بثبات، “بصفتي الممثلة القانونية لـ ‘ندى العقاد’، المالك لأغلبية أسهم شركة العقاد للتكنولوجيا بنسبة 58%، وبناءً على قرار الجمعية العمومية والمساهمين الصادر صباح اليوم.. بنبلغك بتجريدك فوراً من منصب المدير التنفيذي، وإلغاء صلاحياتك بالكامل.”
​طارق اتصدم ووقعت منه الفتحة بتاعة القلم على الأرض. “إنتي بتتكلمي عن إيه؟! الشركة دي أنا اللي بنيتها! إنتي ما تفهميش حاجة في الإدارة يا ندى! طنط كاميليا مكانتش سيبالك غير أسهم وصورية!”
​”طنط كاميليا علمتني أقرأ الميزانيات يا طارق،” قعدت على الكرسي الرئيسي لرئاسة المجلس، وربعت إيدي على الترابيزة. “وعلمتني أكتشف الحرامية اللي بيسرقوا الشركات من جوة.. المليون و800 ألف دولار اللي تحولوا لحساب شركة ‘فانتاج’ باسم أخت ندى، الشقة الفخمة، والمجوهرات.. كل المبالغ دي متوثقة بالقرائن والأدلة الجنائية في التقرير اللي قدام الأعضاء.”
​ندى السكرتيرة شهقت بصوت عالي وبدأت تعيط، وجريت طلعت برة القاعة وهي بتغطي وشها.
​طارق حاول يقرب مني، وشه كان أحمر ودمه محروق، وقال بصوت واطي ومبحوح: “ندى.. أرجوكي.. إحنا بيننا 8 سنين جواز.. بلاش تخربي بيتنا وتضيعي مستقبلي عشان نزوة أو غلطة!”
​”بيت مين اللي بتتكلم عنه؟” سألته وأنا ببتسم ابتسامة خفيفة. “إنت هديت البيت ده بنفسك من شهريين عشان الفلوس.. ودلوقتي الفلوس والشركة هما اللي هيمسحوك.”
​مي كملت كلامها بصرامة وقالت: “تم تقديم بلاغ رسمي للنيابة العامة بتهمة التزوير في محررات رسمية والاستيلاء على أموال الشركة والإضرار بأموال المساهمين. والبوليس ورجال الأمن منتظرينك برة المقر.”
​في اللحظة دي، اثنين من أفراد أمن الشركة دخلوا قاعة الاجتماعات ووقفوا ورا طارق مباشرة.
​طارق بص حواليه.. بص لأعضاء المجلس اللي كانوا بيبصوله بلاحقارة وقرف، وبص للورق المرمي قدامه، وبعدين بصلي أنا. الغرور والتكبر اللي كان عايش بيهم طول سنين جوازنا اتبخروا تماماً، وما فضلتش غير ملامح راجل مهزوم، خايف، ومكسور.
​”أتفضل معانا يا أستاذ طارق،” الأمن قالها وهو بيمسكه من دراعه.
​وهو بيتسحب برة الأوضة ومش قادر يرفع عينيه في عين حد، اتلفت وبصلي بقلة حيلة.
​سحبت القلم من على الترابيزة، ومضيت أول قرار ليّا كرئيسة لمجلس الإدارة، وأنا بسمع صوت باب القاعة بتقفل وراه للأبد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *