منتهى الجحود صافي هاني
نسيتهم تماماً، وبقت حياتي عبارة عن نجاحات ورا نجاحات، وسفر، وشغل بحبه.
في يوم من الأيام، كنت معزومة في حفلة كوكتيل ضخمة بمناسبة افتتاحي لمشروع برج سكني جديد ومبهر في وسط مانهاتن. الحفلة كانت مليانة رجال أعمال، ومستثمرين، وشخصيات من المجتمع الراقي.. نفس الأجواء اللي كانت عيلتي بتموت عشان تدخلها زمان، بس الفرق إن المرة دي أنا مش ضيفة على الهامش، أنا كنت نجمة الحفلة والكل واقف عشان يسمعني.
وأنا واقفة بتكلم مع رئيس مجلس الإدارة، لمحت من بعيد واحدة من البنات اللي شغالين في شركة بوفيه الحفلة، كانت لامة شعرها ولابسة لبس الخدمة الموحد، وواقفة بتوزع كاسات عصير على الضيوف.
لما قربت مني عشان تقدم لي عصير، عيني جت في عينها.. كانت بيج.
الزمن دار دورتو ورجعنا لنفس النقطة، بس الأدوار اتبدلت تماماً. بيج اتجمدت في مكانها لما عرفتني، الصدمة شلتها والكاسات كانت هتقع من إيدها. بصت للمجوهرات اللي أنا لابسها، ولفستاني، وللناس الأكابر اللي واقفين حواليا بيبصولي بكل احترام وانبهار.
عينيها كانت مليانة كسرة وذل وندم، ونزلت راسها في الأرض وهي بتترعش، مستنية مني أقول أي كلمة تهينها أو تفضحها قدام الناس، أو أرد لها اللي عملته فيا زمان لما سابتني واقفة في حفلتها زي الغريبة.
بس أنا بصيت لها بهدوء وابتسامة خفيفة، وأخدت من الصينية كاس عصير، وقلت لها بصوت رزين وكله ثقة: “شكراً يا فندم، الخدمة ممتازة.”
سبتها ومشيت وكملت كلامي مع المستثمرين وكأنها مجرد شخص غريب ملوش أي وجود في دنيتي. في اللحظة دي عرفت إن أكبر انتقام مش إنك تأذي اللي أذاك، الانتقام الحقيقي هو إنك تنجح لحد ما يبقوا هما والعدم بالنسبة لك واحد، لدرجة إن وجودهم أو غيابهم ما يحركش فيك شعرة.
سبتها ورايا في الضلمة، ومشيت ناحية النور.. ناحية المستقبل اللي بنيته بإيديا ومحدش له فضل عليا فيه.