حلم الابوه المفقود

لكن الحياة عمرها ما بتدي حد راحة كاملة.

بعد حوالي سنة من الولادة، بدأت فريدة تتعب بشكل غريب.

دوخة مستمرة، إرهاق، وآلام حادة كانت بتحاول تخبيها.

في الأول قالت ده تعب طبيعي من الأطفال، لكن إسكندر لاحظ إنها بقت تسكت كتير، تسرح، وتنام وهي قاعدة.

وفي يوم، كانت بتحضر رضاعة “ياسين”، وفجأة الكوباية وقعت من إيدها وجسمها كله مال على الأرض.

إسكندر حس وقتها إن الدنيا رجعت تسحب منه كل حاجة.

جرى عليها وشالها وهو بيصرخ باسمها بطريقة أفزعت البيت كله.

رجعوا المستشفى…

نفس الممرات… نفس الريحة… نفس الرعب القديم.
ولما الدكتور طلب يقابل إسكندر لوحده، قلبه وقع.

قاله إن الحمل الصعب والنزيف اللي حصل وقت الولادة أثروا على جسم فريدة بشكل كبير، وإن قلبها بقى أضعف من الأول، ولازم ترتاح تمامًا وإلا أي ضغط زيادة ممكن يعمل مضاعفات خطيرة.

إسكندر خرج من المكتب ووشه أبيض.

ولأول مرة، حس إنه عاجز.

دخل أوضتها، لقاها مبتسمة رغم التعب.

قالت بهدوء: “مالك؟”

قعد جنبها ومسك إيدها بقوة: “أنا تعبت من خوفي عليكي.”

فريدة ضحكت بخفة: “أنا لسه هنا أهو.”

لكن إسكندر هز راسه بعنف: “لأ… إنتِ ماتعرفيش أنا كل مرة بخاف أفقدك إزاي… أنا مستحملتش فكرة إني كنت هضيعك بإيدي مرة.”

الكلام خرج منه وهو بيعيط.

فريدة اتأملته طويلًا… وبعدين قربت إيدها من وشه ومسحت دموعه.

وقالت: “إسكندر… إحنا الاتنين اتوجعنا. بس ربنا نجانا عشان نعيش… مش عشان نفضل خايفين.”

الجملة دي علقت في قلبه.

ومن بعدها، بدأ يغيّر حياته أكتر وأكتر.

فوّض جزء كبير من شغله، وقضى أغلب وقته في البيت. بقى يعمل الفطار بنفسه، ويلبس العيال، ويقعد بالساعات يلعب معاهم على الأرض. العمال والخدم في البيت كانوا يبصوا لبعض باستغراب من الراجل اللي زمان كان صوته يهز شركة كاملة،

ودلوقتي قاعد يبني برج بالمكعبات مع عياله ويضحك من قلبه.
وفي يوم، فريدة نزلت لقت الحديقة كلها متزينة بأنوار صغيرة.

استغربت.

خرج إسكندر من وسط الجنينه شايل ليلى، وآدم متعلق في رجله، وياسين بيجري وراه، وقال: “فاكرة أول حلم قولتيه بعد الجواز؟”

ابتسمت وسط دموعها: “البيت اللي فيه عيال بيجروا حفايه على النجيلة؟”

إسكندر بص حواليه وقال: “أهو… الحلم جه متأخر، بس جه.”

فريدة وقتها ماقدرتش تتمالك نفسها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *