قبل يوم واحد
الجزء الثاني
لم تمر سوى دقائق، لكنها بدت كأنها عمر كامل.
كنت ما زلت على الأرض، جسدي يرتجف بين موجات ألم متلاحقة، والدموع تختلط بالعرق على وجهي. كل نفس كان يخرج بصعوبة، وكأن الهواء نفسه يرفض أن يساعدني.
ثم… سمعت صوت صفارات.
في البداية ظننت أنني أتخيل. لكن الصوت كان يقترب بسرعة، يتوقف أمام العمارة مباشرة.
باب الشقة انفتح فجأة.
دخل ثلاثة أشخاص بزي إسعاف خاص، ومعهم سيدة ترتدي معطفًا طبيًا أنيقًا، تتقدمهم بثبات لا يحمل ذرة تردد.
وعندما رفعت عيني…
رأيتها.
أمي.
لم تكن تبكي، لم تصرخ، لم تركض كأي أم عادية. كانت هادئة بشكل مخيف، لكن عينيها كانتا تشتعلان غضبًا باردًا.
ركعت بجانبي فورًا.
— “خليكي معايا يا مريم… بصّي لي.”
أمسكت بيدي بقوة، وكأنها تثبتني في الحياة نفسها.
أحد المسعفين بدأ يفحصني بسرعة:
— ضغط منخفض جدًا… في نزيف… لازم نتــ,,ـــــحرك فورًا.
أمي رفعت رأسها له وقالت بحسم:
— خلال دقايق تكوني في غرفة العمليات. جهزوا الدم والبنك الاحتياطي.
ثم نظرت إليّ مجددًا، وخفضت صوتها:
— هو فين؟
لم أستطع الإجابة. لكن الصمت كان كافيًا.
في تلك اللحظة، كان أحمد قد عاد إلى الشقة.
تجمد عند الباب عندما رأى المشهد: أطباء، إسعاف، أمي… وأنا على الأرض.
— “إيه اللي بيحصل هنا؟!” قالها بارتباك واضح.
أمي لم تنظر له حتى في البداية. فقط قالت بهدوء قاتل:
— إنتَ.
ثم رفعت عينيها إليه.
— “إنتَ اللي أخدت فلوس عملية بنتي؟”
حاول يبتلع ريقه:
— أنا… كنت بحل مشكلة أختي، الموضوع مش—
قاطعته:
— “بعت حياة مراتك وابنك عشان دين قمار؟”
الصمت سقط في الغرفة كحجر ثقيل.
المسعفون بدأوا يضعونني على النقالة، وأنا أصرخ من الألم مع كل حركة.
أحمد اقترب خطوة:
— مريم، أنا كنت مضطر… هنعوض الفلوس بعدين—
لكن أمي وقفت بينه وبيني فجأة.
لم ترفع صوتها. لم تكن بحاجة لذلك.
— “لو قربت منها خطوة واحدة تانية، هتندم.”
نظرة واحدة منه كانت كافية ليعرف أنها لا تمزح.
ثم أخرجت هاتفها.
— “حضّروا الأوراق. وهاتوا لي مدير المستشفى اللي كنتوا متفقين معاه.”
التفت إليها المسعف:
— يا دكتورة، إحنا جاهزين للتحرك—
— “مش قبل ما أضمن إن مفيش حد هيوقف العملية.”
نظرت لأحمد مرة أخرى.
— “والفلوس اللي أخدتها؟”
تلعثم:
— هأرجعها… هتصرف… أختي كانت—
ابتسمت أمي ابتسامة قصيرة بلا روح: