حين عدت لنفسي
الأيام اللي بعدها بدأت تتغير ببطء.
مش فجأة.
مفيش معجزة.
فيه بس… استعادة بسيطة للحياة.
أمي كانت بتصحيني، أكل، نوم، مشي قصير في الحديقة.
نوح بقى يهدى لما أهدى.
كأن الطفل كان عايش مع أم بتغرق، مش طفل بس محتاج رضاعة.
وفي يوم، وأنا قاعدة أرضعه، حسيت بشيء غريب.
مش خوف.
مش انهيار.
إحساس جديد: أنا موجودة.
أول مرة أحسها.
بعد أسبوع، قررت أرجع البيت.
أمي بصتلي وقالت: “ليه؟”
“عشان أعرف أعيش فيه من غير ما يقتلني.”
سكتت.
وبعدين قالت: “لو رجعتي ومحتاجتيش مساعدة… ابقي اتصلي فورًا.”
هزيت راسي.
بس جوايا كنت عارفة حاجة واحدة:
أنا مش راجعة نفس الإنسانة اللي خرجت.
أنا راجعة واحدة اتولدت من جديد.
لما دخلت البيت، كان هادي بشكل مخيف.
مات كان موجود.
قاعد على الكنبة، ماسك تليفونه.
بصلي من غير ما يقف.
“رجعتي؟”
“آه.”
“كويس.”
كلمة واحدة.
ولا سؤال عني. ولا عن نوح.
ولا عن اللي حصل.
كنت واقفة في المدخل، وقلبي مش بيخبط.
غريب.
مفيش خوف.
مفيش انهيار.
بس… برود.
حطيت شنطة نوح على الأرض.
وقلت بهدوء: “أنا مش هكمل كده.”
رفع عينه: “هتعملي إيه يعني؟”
سكت لحظة.
وبعدين قلت: “هطلب مساعدة. وهغير كل حاجة. ولو أنت مش شايف إن ده مهم… يبقى أنت مش جزء من اللي جاي.”
أول مرة أشوف ملامحه تتغير.
مش غضب.
استغراب.
كأن النسخة اللي قدامه مش نفس اللي كانت بتنهار قبل كده.
قرب خطوة: “أنتِ بتهددي؟”
هزيت راسي: “أنا ببتدي أعيش.”
وساعتها… لأول مرة في حياتي كأم جديدة،
ما كنتش بطلب إن حد يفهمني.
كنت بس بطلب إني ما أختفيش تاني.
الجزء الأخير: “البيت اللي رجعتله وأنا مختلفة”
بعد كلامي مع مات، البيت ما بقاش زي الأول.
فيه حاجة اتكسرت… بس المرة دي ما كانتش أنا اللي بتتكسر.
كانت الصورة اللي كان شايفني بيها.
فضل ساكت يومين.
أنا كنت عايشة في البيت، بس لأول مرة… مش عايشة له.
كنت بصحى بدري، أعمل لنوح كل حاجة، وأخرج أتمشى شوية، وأرجع من غير ما أستأذن أو أشرح.
وأول مرة في حياتي، بطلت أعتذر عن وجودي.
في يوم، وأنا بغير لنوح، سمعت مات بيقول من الصالة: “إنتِ ناوية تعملي إيه بقى؟”
قلت بهدوء وأنا لسه مكملة اللي في إيدي: “هكمل علاج. هكمل حياة. وهكمل تربية ابني… بس مش لوحدي تحت ضغط أو تجاهل.”
سكت.
وبعدين قال: “يعني إيه مش لوحدك؟”
قفلت هدوم نوح، وخرجت له.
“يعني لو هفضل هنا، يبقى فيه احترام. فيه مشاركة. فيه أب بجد، مش حد موجود بالاسم بس.”