امي التي خدعتني ج2
واضح إنها انصدمت إني ما وافقت مباشرة.
بعدها بساعتين، قلت لهم إني بروح البنك أراجع موضوع الخصومات.
تغير وجه نورة للحظة. ثم قالت بسرعة: “يمه بسيطة، يمكن رسوم.”
لكن قلبي كان يقول غير كذا.
وصلت البنك، وجلست قدام الموظف، وعطيته هويتي. دقائق وهو يطالع الشاشة، بعدها رفع عينه وقال:
“فيه تمويل مفتوح باسمك يا خالة.”
حسيت الدم انسحب من وجهي.
قلت: “أي تمويل؟ أنا ما طلبت شي.”
لف الشاشة شوي ناحيتي.
المبلغ كان كبير… أكبر من اللي تخيلته.
وسحبوه قبل خمسة شهور.
سألته بصوت مرتجف: “كيف انفتح؟”
قال: “عن طريق التطبيق البنكي… وفيه موافقة إلكترونية ورمز تحقق.”
تذكرت.
يوم نورة أخذت جوالي بحجة “التحديث”.
حتى توقيعي الإلكتروني فعلوه باسمي.
جلست ساكتة ثواني، ثم سألت: “وين راحت الفلوس؟”
الموظف تردد، ثم قال: “تحولت لحساب مؤسسة باسم زوج بنتك.”
ما حسيت بنفسي إلا وأنا أتمسك بطرف المكتب.
مو بس كانوا يبون البيت…
كانوا ياخذون فلوسي باسمي.
طلعت من البنك وأنا مو قادرة أتنفس. جلست في كوفي قريب، ويدي ترتجف حول فنجال القهوة.
وأول مرة في حياتي… حسيت إني غريبة عن بنتي.
لكن الشي اللي غير كل شيء… كان اتصال جاني بنفس اليوم.
رقم غريب.
رديت بتعب: “ألو؟”
جاني صوت رجال كبير بالعمر: “السلام عليكم… مع أم نورة؟”
قلت: “نعم.”
قال: “أنا أبو سالم… وأعتذر إني أتدخل، لكن لازم تعرفين الحقيقة قبل يفوت الوقت.”
سكت قلبي.
قال بصوت مكسور: “ولدي غرقان ديون من سنة… وهو ونورة مختلفين طول الوقت بسبب الفلوس. يوم عرف إن عندك بيت وأرض، قال إن الحل إنك تجين عندهم.”
ما قدرت أتكلم.
وأكمل: “وأقسم بالله إني ما دريت إنهم فتحوا تمويل باسمك إلا أمس. سمعتهم يتهاوشون.”
دموعي نزلت بدون صوت.
حتى أبوه… خجلان منهم.
رجعت للشقة قبل المغرب. وكان داخلي هدوء غريب… هدوء الإنسان إذا انكسر خلاص.
دخلت، ولقيت نورة بالمطبخ.
ابتسمت: “يمه رجعتي؟”
قلت: “إيه.”
ثم حطيت كشف الحساب قدامها.
اختفى اللون من وجهها.
نادت: “سالم!”
طلع مرتبك.
قلت وأنا أناظرهم: “سرقتوني؟”
نورة بدأت تبكي فورًا. “يمه والله كنا بنرجعها…”
لكن سالم انفجر: “لا تسوين نفسك ضحية! إحنا صرفنا عليك سنة كاملة!”
ضحكت.
أول ضحكة طلعت مني من شهور… لكنها كانت مرة.
قلت: “أنا اللي كنت أطبخ وأنظف وأدفع لنفسي… وحتى فلوسي سرقتوها.”
سكت.
ثم قلت الجملة اللي ما توقعوا يسمعونها:
“ترى البيت اللي في الديرة… مو باسمي من ست شهور.”
تجمدوا.
نورة قالت: “وش يعني؟”
قلت: “نقلته وقف خيري باسم أبوك قبل لا أجي.”
سالم شهق: “وش؟!”
أخرجت الورقة من شنطتي وحطيتها قدامهم.
“البيت ما ينباع. ولا أحد يقدر ياخذه بعد موتي.”
كانت أول مرة أشوف سالم يفقد أعصابه فعلًا.
صرخ: “يعني كل تعبنا راح؟!”
وهنا… عرفت الحقيقة كاملة.
مو أنا اللي كنت أمهم.
أنا كنت مشروعهم.
نورة جلست تبكي وتقول: “يمه سامحيني… كنا مضغوطين…”
لكن بعض الكسور ما يلحمها اعتذار.
رفعت شنطتي بهدوء.
قالت وهي تلحقني: “يمه وين تروحين؟”
التفت لها، وقلبي يوجعني أكثر من أول يوم ولدت فيه.
وقلت: “راجعة للمكان الوحيد اللي كان يحبني بدون مقابل.”
ورجعت لبيتي القديم.
للجدار اللي فيه خدشة لعبتها الصغيرة.
للشجرة اللي زرعها زوجي.
للبيت اللي كان أصدق من ألف كلمة حب كاذبة.
وبعد شهر… وصلتني رسالة من نورة.
“يمه… اشتقت لك.”
قريت الرسالة طويل…
ثم طفيت الجوال.
لأن بعض الأمهات يسامحون…
لكنهم مستحيل ينسون.