امي التي خدعتني ج2
مرت سنتان.
والبيت تغيّر.
مو بالأثاث… بالأرواح اللي داخله.
صار باب البيت مفتوح أكثر، وصوت الضحك يرجع للحوش بالتدريج. بنات الجيران يدخلون عند نورة للمراجعة، والأطفال يركضون حول شجرة الليمون، وأنا أراقبهم من الكرسي الخشب القديم اللي كان زوجي يجلس عليه.
أحيانًا كنت أحس إن الزمن دار دورة كاملة… ورجعني لنفسي القديمة.
لكن الجروح الكبيرة ما تختفي تمامًا.
في عصر يوم خميس، كنت أرتب فناجين القهوة، يوم سمعت سيارة توقف عند الباب.
طلعت نورة تشوف مين.
وفجأة… سكت البيت كله.
طلعت للحوش ببطء.
وكان هو.
سالم.
لكن مو سالم اللي عرفته قبل.
كان أضعف، وجهه شاحب، ولحيته مليانة شيب متفرق، وعينه فيها انكسار واضح.
وقف عند الباب كأنه مو عارف يدخل أو يهرب.
نورة تصلبت مكانها.
قال بصوت منخفض: “السلام عليكم.”
ما أحد رد بسرعة.
ثم قال وهو يناظر الأرض: “أدري مالي وجه… بس أبي أتكلم.”
كنت أقدر أطرده.
أقدر أقفل الباب بوجهه وأقول له: مثل ما كسرتنا، انكسر لحالك.
لكن العمر علمني إن بعض المواجهات لازم تصير.
قلت: “ادخل.”
جلس بالحوش بصمت طويل.
حتى القهوة ما لمسها.
ثم قال أخيرًا: “أنا ظلمتكم.”
كانت أول مرة أسمعه يعترف.
نظر لنورة وقال: “أنا كنت غرقان… وكل ما غرقت أكثر، صرت أشوف الناس مجرد حلول.”
ثم التفت لي: “وأنتِ أكثر إنسانة أذيتها.”
نورة كانت تضم يدينها بقوة، كأنها تمنع نفسها من الانهيار.
قال سالم: “في السجن… محد وقف معي. حتى أهلي تعبوا مني. وكل يوم كنت أتذكر كلامك يوم قلتي: الطمع ياكل صاحبه.”سكت، ثم أخرج ظرفًا من جيبه.
حطه على الطاولة.
قلت: “وش هذا؟”
قال: “باقي المبلغ اللي قدرت أرجعه.”
نورة فتحت الظرف بانفعال.
شيكات… وتحويلات.
مو كل الفلوس، لكنها كانت بداية.
قال: “أعرف إن الاعتذار ما يكفي… لكني تعبت وأنا أشيل ذنبكم.”
ثم وقف.
يتبع