امي التي خدعتني ج1
بنتي قالت إنها بتاخذني أعيش عندها عشان تهتم فيني، وزوجها وعدني يعطيني عشرة آلاف ريال كل شهر. لكن بعد سنة بالضبط، يوم سمعت كلامهم عني في المطبخ… عرفت إني كنت غلطانة.
أنا عمري ثلاث وستين سنة. في هالعمر، الواحد يحسب إنه شاف من الدنيا كفاية، وإن ما عاد فيه شي يقدر يكسر قلبه أو يفاجئه. وأنا كنت أقول لنفسي نفس الكلام. كنت أظن إني بعد ما ربيت بنتي لحالي، ودفنت زوجي وهو بعز شبابه، وتعبت طول عمري بدون ما أشتكي، ما بقى لي غير شي واحد… شي بسيط… شي اسمه شيخوخة هادية بين ناس يحبوني.
على الأقل، هذا اللي كنت أتخيله.
من برّا، الناس كانوا يقولون إني امرأة محظوظة. صحيح زوجي راح بدري، وخلاني أواجه الدنيا لحالي، لكن بنتي نورة طلعت بنت ترفع الرأس. درست، وتوظفت في المدينة، وتزوجت رجل كان واضح عليه الهدوء والمسؤولية. وكل ما أحد من الحارة القديمة يسألني عنها، أبتسم وأقول بفخر:
“بنتي في الرياض… وربي موفقها.”
كنت أعيش في بيت صغير في ديرة هادية قرب الأحساء. ما كان بيت فخم ولا واسع، لكنه كان بيتي. ثلاثين سنة وأنا أفتح نفس الباب، وأشم نفس ريحة الطين بعد المطر، وأسمع صوت العصافير فوق الجدار وقت الفجر. كل زاوية فيه كانت شايلة عمر كامل. شجرة الليمون في الحوش زرعها زوجي أول سنة من زواجنا. والمطبخ عدلناه سوا يوم كانت نورة صغيرة، تركض بيننا وهي ماسكة قطعة خبز وتضحك.
حياتي كلها كانت هناك.
لكن نورة ما كانت تخليني.
كل مرة تكلمني بالجوال، تقول نفس الجملة:
“يمه، تعالي عيشي معنا. ما أرتاح وأنا أعرف إنك لحالك هناك.”
كنت أقول لها إني بخير. عندي جارات، وأعرف أهل الديرة كلهم، والناس ما يقصرون، والمكان أمان. لكنها ما كانت تقتنع.
“يمه، وبعدين؟ إحنا نقدر نريحك. أنا وسالم بنعطيك عشرة آلاف ريال كل شهر، وما تحتاجين تفكرين بمصاريف ولا فواتير ولا شي.”
عشرة آلاف ريال.
في ديرة صغيرة، المبلغ هذا يخليك تعيشين مرتاحة. تدفعين الكهرباء، تشترين أغراض البيت، وتخلين لك شي على جنب. وأنا ما كنت طماعة. عمري كله عشت على القليل، وكنت أرضى.
في البداية رفضت كثير.
الموضوع ما كان فلوس. ولا كان خوف من الوحدة بس. كان البيت. كان كل شي بيصير وراي إذا مشيت. الحوش اللي كان زوجي يشرب فيه قهوته كل صباح. الكرسي الخشب اللي كان يجلس عليه بعد الدوام. الجدار اللي عليه خدشة صغيرة من يوم نورة تعلمت تمشي وخبطت لعبتها فيه.