دواء جوزي ج2 زهره

تسمرتُ في مكاني، والهاتف يرتجف في يدي كأنه قطعة من جمر. صوت “سامح” الدافئ في سماعة الهاتف تحول فجأة في أذني إلى فحيح أفعى. كان يسأل عن نتيجة تحليلي بنبرة هادئة، لكن خلف هذا الهدوء كنت ألمح ترقباً قاتلاً.

​نظرات ندى كانت تخترقني كالسكاكين، والدكتور كان قد بدأ بالفعل يمسك هاتف المكتب ليتصل بالأمن والشرطة. همستُ لـ “سامح” بصوت متحشرج حاولت بكل قوتي أن يبدو طبيعياً:

“أنا.. أنا ثواني وطالعة لك يا سامح، النتيجة طلعت والكل مذهول منها.. طالعة حالاً.”

​أغلقت الخط، والتفتُّ للدكتور وندى. رجوتُ الدكتور بدموع حارقة: “أرجوك يا دكتور، بلاش تطلب الشرطة هنا في المكتب. جوزي واقف تحت عند الباب.. لو حس بأي حركة غريبة هيهرب، ومحدش هيرجع حق ندى ولا حقي. سيبوني أنزل له، والأمن يراقبني من بعيد لحد ما نوقعه متلبس.”

​بعد شد وجذب، وافق الدكتور وضابط أمن الشركة الذي تم استدعاؤه في سرية تامة. نزلنا في المصعد، وقلبي يدق في صدري كطبل حرب. كنت أسير بخطوات ثقيلة، وخلفي بمسافة يتحرك رجلا أمن من الشركة يرتديان ملابس مدنية.

​أول ما فتحت البوابة الزجاجية للشركة، رأيته.

كان واقفاً بجانب سيارته، يرتدي قميصه الأزرق الأنيق، يبتسم بذات الابتسامة التي سحرتني طوال سنتين من الزواج. وفي يده.. كانت الشنطة الحرارية الشيك.

​”مروة يا حبيبتي!” قالها وهو يتقدم نحوي ويمد يده ليأخذني في حضنه كالعادة. لكنني تراجعت خطوة للخلف. تراجعت وعيني تتأمل وجهه وكأنني أراه لأول مرة.

​ارتبك سامح قليلاً، وحاول أن يبتسم وهو يمد لي الشنطة: “مالك يا مروة؟ وشك أصفر ليه؟ والتحاليل طمنيني.. الدكتور قالك إيه؟”

​نظرتُ إلى الشنطة الحرارية، ثم رفعتُ عيني إليه وقلت بجمود تام: “التحاليل طلعت ممتازة يا سامح.. صحتي حديد، مفيش فيها أي نسبة غلط. بس ندى زميلتي.. ندى بتموت في المستشفى حالياً بسبب فشل كبدي حاد وتسمم كيميائي.”

​في تلك اللحظة بالذات، رأيت شيئاً لم أره في حياتي قط. عين “سامح” لم تلمع بالصدمة أو الحزن.. بل جحظت بذعر رهيب، واهتزت يده لدرجة أن الشنطة الحرارية سقطت منه على الأرض، وانفتحت العلبة ليتناثر الأكل الذي أحضره اليوم.

​”ن.. ندى؟” تمتم بكلمات متقطعة، وريقه جف تماماً، “وإيه علاقة ندى بأكلك؟!”

​”علاقتها إنها كانت بتاكل أكلك المشطشط بقالها 6 شهور يا سامح!” صرختُ فيه والدموع تنفجر من عيني، “أنا مكنتش باكل الأكل ده.. كنت ببدله معاها! السم اللي كنت بتحطهولي بالقطارة عشان تموتني بالبطء وتورث شقتي وفلوس أبويا.. ندى هي اللي بلعته!”

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *