فرح في مهب الريح شروق خالد
المزيكا كانت شغالة تحت في القاعة، والكل بيرقص ومبسوط، بس “مي” مكنتش سامعة أي حاجة.
كل اللي كانت سامعاه هو صوت نفسها.. المكتوم، المهزوز، والمليان رعب.
كانت ساندة ضهرها على باب الحمام الرخام البارد، وإيدها بتترعش لدرجة إن الموبايل اللي شاشته مكسورة كان هيقع منها. كان فيه دم مغطي الشاشة. وراها، الباب كان بيتهز بعنف وصوت خبطات مرعبة.. جوزها كان بيحدف جسمه كله على الباب عشان يكسره.
برا الحمام، كان “فندق الماسة” منور بالورد الأبيض وأفخم أنواع الشمبانيا، ومئات من ولاد الأكابر والمجتمع الراقي بيحتفلوا بفرح أختها الصغيرة.
جوه الحمام، كانت الحقيقة اللي مفيش حد في الفرح عاوز يشوفها.
“مي كمال” كانت بتطارد من الراجل اللي الناس كلها شايفاه “الزوج المثالي”.
الباب بدأ يتشرخ.
كانت عارفة إن قدامها ثواني.
مفيش غير شخص واحد بس تقدر تكلمه.
مش البوليس.. لأن “شريف” مشتريهم بفلوسه.
ولا أهلها.. لأن شريف هددهم بمصالحهم كذا مرة.
مفيش غير اسم واحد بس، كفيل يخلي “شريف كمال” يترعش من الخوف.
“سليم الألفي”.
راجل اسمه لو اتذكر في أي مكان، الناس بتوطي صوتها. راجل صوره نادرة، وكلامه أوامر. الراجل اللي في مرة شاف الكدمات اللي على وش “مي” من غير ما يسأل سؤال واحد، واداها كارت أسود عليه رقم تليفونه وبس.
قالها وقتها: “لما القفص الدهبي يضيق عليكي
بزيادة.. كلميني.”
ودلوقتي القفص كان بيكسر عضمها.
مي داست على زرار الاتصال.
أول ما سليم رد، هي انهارت على الأرض وهمست بالكلمات اللي هتغير كل حاجة:
“سليم.. ممكن تيجي تاخدني؟”
قبلها بـ 3 شهور، مي كانت واقفة في ممر في “دار الأوبرا”، وبتحاول تحبس دموعها.
شريف كان شارب ليلتها، وكان هيموت من الغل لأنها اتكلمت فترة طويلة مع صحفية. صوابعه غرزت في ضهرها بقوة خلت جسمها يتحرق من الوجع. شدها بعيد عن الناس ووداها ممر ضلم ورا المسرح.
ورفع إيده عشان يضربها.
بس الضربة منزلتش.
“سليم الألفي” مسك إيد شريف وهو في الهواء.
مزعقش.. معملش فضيحة.. هو بس بص لشريف بعيون باردة زي التلج، لدرجة إن الهوا هرب من الممر.
سليم قال بصوت هادي يرعب: “أظن الهانم محتاجة تاخد نفسها يا شريف.. ابعد إيدك.”
شريف كمال.. الملياردير، ملك العقارات، حبيب المجتمع والسياسيين، وصاحب القضاة واللواءات.. وشه بقى أبيض زي الأموات.
سحب إيده فوراً وساب دراع مي.
وقبل ما سليم يمشي، حط الكارت الأسود في شنطتها الصغيرة.
مي خبت الكارت جوه علبة مجوهراتها 3 شهور.
قالت لنفسها عمرها ما هتستخدمه.
لحد ما جه يوم فرح أختها “سارة”.. والحكاية بدأت بجد.
حكايات شروق خالد
شريف كان بيخبط على الباب بهيستيريا، وصوته بقى طالع زي فحيح الأفعى: “افتحي يا مي.. والله ما هرحمك، فاكرة إنك لما تستخبي هنا هتفلتِ مني؟ ده أنا هخلي ليلتك سودة زي قلبك!”
مي كانت حاطة الموبايل على ودنها، وسليم الألفي كان لسه على الخط. السكوت اللي من ناحيته كان أرعب من صريخ شريف. وفجأة، سليم نطق كلمة واحدة بس:
“خمس دقايق.. متفتحيش الباب مهما حصل.”
الخط قطع.
مي ضمت رجليها لصدرها وهي بتعيط من غير صوت. الباب بدأ يتفلق من النص، وإيد شريف ظهرت وهي بتحاول توصل للقفل. “افتحي يا…”
وفجأة، الصريخ اللي كان برا سكت. الخبط وقف.
القاعة اللي تحت اللي كان فيها هيصة ومزيكا، فجأة سادتها حالة صمت غريبة، وكأن حد شد الفيشة عن الفندق كله. وبعدين، صوت خطوات تقيلة ومنظمة بدأت تقرب من باب الحمام.
صوت “شريف” طلع تاني، بس المرة دي مكنش بيزعق.. كان صوته بيترعش: “سليم بيه؟ أنت إيه اللي جابك هنا؟ دي.. دي أمور عائلية .”
سليم رد عليه بنبرة هادية تقطع القلب: “مريم مقتلتش حد يا شريف.. بس أنت قتلت نفسك لما فكرت تلمس حاجة تخصني.”
“تخصك؟” شريف صوته طلع مخنوق، “دي مرتي على سنة الله ورسوله!”
“كانت..” سليم قالها ببرود، “دلوقتي هي في حمايتي.”
فجأة، صوت ضربة مكتومة، وبعدها صوت جسم شريف وهو بيترمي على الأرض وكأنه شوال رمل. مي كانت مرعوبة، لحد ما سمعت خبطة هادية على الباب.. خبطة مختلفة تماماً.
“مي.. افتحي. مفيش حد هيأذيكي تاني.”
مي فتحت القفل وإيدها بتترعش. أول ما الباب اتفتح، شافت سليم واقف بطوله الهيبة، وبدلته السوداء اللي مفيهاش ولا كسرة. على الأرض وراه، كان شريف مرمي والدم نازل من بوقه، ورجالة سليم محاوطينه كأنهم غابة من الشجر.
سليم بصلها، وشاف الدم اللي على وشها والفستان المتبهدل. عينيه اسودت أكتر، وقلع الجاكيت بتاعه وحطه على كتافها بكل حنية، ووشوشها: “متبصيش وراكي.. اتمشي قدامي.”
وهي خارجة من الممر، شافت أهلها والناس اللي في الفرح واقفين زي التماثيل، محدش فيهم استجرأ ينطق كلمة ولا يدافع عن “شريف” الملياردير وهو بيتجرجر قدامهم زي الحرامي.
سليم ركبها العربية المرسيدس السوداء بتاعته، وقبل ما يقفل الباب، بص لمساعده وقال له: “شريف كمال ميباتش في بيته النهاردة.. ولا في أي بيت تاني. ابدأوا الحرب على كل شركاتهم، مش عاوز ليهم اسم في السوق بكره الصبح.”
العربية مشيت، ومي بصت لسليم وهي لسه مش مصدقة إن الكابوس خلص. سليم بصلها وقال: “أنا مكلمتكيش عن المافيا ولا عن الحرب يا مي.. أنا جيت آخدك عشان وعدتيني إنك هتكلميني.”
مي سألت بصوت واطي: “أنت هتعمل فيه إيه؟”
سليم ابتسم ابتسامة غامضة: “هخليه يتمنى لو كان فضل يخبط على باب الحمام ده طول عمره ومخرجتيش منه.. ارتاحي دلوقتي، أنتِ في أمان.”
ومن الليلة دي، اسم “مي كمال” مبقاش مرتبط بـ “شريف”.. بقى مرتبط بالراجل اللي قلب الدنيا عشانها في خمس دقايق.
**تمت.**
فرح في مهب الريح
حكايات شروق خالد