الاب اللي زرع الكاميرا

الحاج إسماعيل فضل باصص للشاشة ووشه بيجيب ألوان.. النبض في عروقه بقى له صوت مسموع. الصدمة مكنتش بس في إن بناته واقفين، الصدمة كانت في الزاوية المېتة اللي الكاميرا جابتها بالصدفة لما مريم اتحركت من مكانها.
​مريم كانت ماسكة في إيدها “برواز” قديم، وصورة متصورة “سيلفي” بموبايلها وهي بټعيط، وفي الإيد التانية كانت ماسكة سلسلة دهب إسماعيل حافظها أكتر من اسمه.. دي كانت سلسلة “ليلى” مراته، اللي ضاعت في الحاډثة وملقوهاش أبداً!
​بس مش ده اللي خلاه ينهار.. اللي خلاه ينهار هو إن مريم بدأت تتكلم بصوت واطي للكاميرا، كأنها عارفة إن إسماعيل مراقبها، وكأنها بتبوح بسر بقاله سنين مدفون تحت التراب.
​المواجهة الصامتة عبر الشاشة
​مريم قربت من الكاميرا المثبتة في زاوية السقف، رفعت السلسلة لفوق، وبدأت تتكلم والدموع نازلة زي الشلال:
— “أنا عارفة إنك شايفني يا حاج إسماعيل.. وعارفة إنك دلوقتي بتسأل نفسك أنا مين؟ وجبت السلسلة دي منين؟ وليه بناته وقفوا على رجليهم معايا أنا بالذات؟”
​إسماعيل ساب شنطته في نص المطار، والناس بتخبط فيه وهو ولا هو هنا.. كان حاسس إن مريم بتبص في عينه مباشرة من ورا الشاشة.
​كملت مريم بصوت مخڼوق:
— “أنا مش مجرد ممرضة يا حاج.. أنا البنت اللي كانت راكبة الميكروباص اللي خبط عربية مدام ليلى من تلات سنين. أنا الناجية الوحيدة من الميكروباص ده.. والسلسلة دي؟ ليلى هي اللي لبستهالي بإيدها وهي بتلفظ أنفاسها الأخيرة في موقع الحاډثة.. قالتلي جملة واحدة بس عمري ما نسيتها: (وصلي دي لبناتي.. وقوليلهم مامتكم بتقولكم قوموا.. متموتوش معايا).”
​السر اللي غير كل شيء
​إسماعيل ركبه خبطت في بعض وقعد على أقرب كرسي في المطار، والناس بدأت تتجمع حواليه فاكرينه تعبان، بس هو كان في عالم تاني. مريم كملت كلامها وهي بتحضن ملك وجودي اللي كانوا واقفين ساندين على كتافها بجهد رهيب:
​— “أنا قعدت سنتين في غيبوبة وعمليات بسبب الحاډثة دي.. ولما فقت، كان هدفي الوحيد إني أوصلك. بس لما عرفت إنك قفلت قلبك وبيتك، عرفت إن الدخول هنا مش محتاج ممرضة، محتاج حد معاه (أمانة). أنا مكنتش بديهم أدوية زيادة يا حاج.. أنا كنت كل يوم بالليل بطلع ليهم سلسلة أمهم، وأحكي ليهم ليلى قالت إيه في آخر لحظة. كنت بقولهم إن روح أمهم محپوسة في السلسلة دي، ومش هتتحرر ولا هترتاح إلا لما يشيلوا السلسلة دي وهما واقفين على رجليهم.”
​الجمهور اللي بيقرأ القصة لازم يفهم إن “المعجزة” مكنتش طبية بس، كانت نفسية بحتة. البنات مكنش عندهم شلل كامل، كان عندهم “صدمة عصبية تحويلية” خلت عقلهم يرفض الحركة عشان ميروحوش للمكان اللي أمهم ماټت فيه.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *