بين الندم والفرصه ندى الجمل
إيد كريم كانت على مقبض الباب… بس ما فتحش فورًا.
وقف لحظة… بياخد نفس تقيل… كأن الباب ده مش أوضة مستشفى، لكن باب لحقيقة هتغيّر حياته كلها.
وبعدين… فتح.
ريحة الدوا خبطت في وشه.
أمه—مدام ليلى منصور—كانت نايمة نص نايمة، أجهزة حوالين السرير، وشها شاحب… بس عينيها أول ما شافته، فتحت فورًا.
“كريم…”
صوتها كان ضعيف… بس فيه نفس القوة القديمة.
قرب منها ببطء.
“ماما…”
سكت ثانية… وبعدين قالها مباشرة من غير لف:
“إنتي كنتي عارفة؟”
عينيها اتهزت… نظرة صغيرة، بس ما فاتتش عليه.
“عارفة إيه؟” حاولت تتهرب.
كريم قرب أكتر، وصوته بقى أخطر:
“إن ندى كانت حامل.”
الصمت.
الأجهزة بس هي اللي بتطلع صوت.
ليلى بصت بعيد عنه… وكأنها مش قادرة تبص في عينه.
وده كان الرد.
كريم حس الدم بيغلي في عروقه:
“كنتي عارفة!”
صوته علي فجأة، خلى الممرضة تبص من برا، بس ما دخلتش.
“كنتي عارفة إن عندي ولاد… وسكتي؟!”
ليلى غمضت عينيها، دمعة نزلت على خدها:
“كنت بحميك.”
كريم ضحك ضحكة كلها غضب:
“بتحميني؟! من إيه؟ من عيالي؟!”
فتحت عينيها وبصت له لأول مرة بحدة:
“منها!”
الصمت رجع… بس المرة دي تقيل أكتر.
كريم اتجمد: “من ندى؟”
ليلى نفسها بقى أسرع، وصوتها رجع فيه شوية قوة:
“أيوه. البنت دي كانت هتدمر كل حاجة بنيتها لك.”
“إنتي بتقولي إيه؟!”
“أنا عارفة هي مين… وعارفة أصلها إيه… وعارفة إنها كانت شايفاك فرصة.”
كريم هز راسه بعدم تصديق: “إنتي ظلمتيها…”
ليلى قاطعته بسرعة: “أنا شوفت التحاليل! شوفت بعيني إنها…”
وقفت فجأة.
كريم ركّز: “إنها إيه؟”
ليلى سكتت.
وده خلّى قلبه يدق أسرع.
قرب منها أكتر: “كمّلي.”
بصت له… والندم باين لأول مرة بوضوح:
“التحاليل اللي جات وقتها… قالت إنها مستحيل تخلف.”
كريم قال بحدة: “وطلع غلط!”
“مش غلط…”
الجملة دي خلت كل حاجة تقف.
كريم حس برعشة: “يعني إيه مش غلط؟”
ليلى بصت له… وقالت الحقيقة اللي كانت مخبياها سنين:
“أنا… اللي خليتها تبان كده.”
الصمت بقى مرعب.
كريم ما فهمش الأول.
“يعني إيه؟”
ليلى همست: “بدّلت النتائج.”
الدنيا وقفت.
كريم رجع خطوة… كأن الأرض بتتهد.
“إنتي… عملتي إيه؟”
دموعها نزلت: “دفعت للدكتور… غير التقرير… خلتك تصدق إنها عقيم… علشان تبعد عنها.”
كريم حس إن نفسه اتسحب.
“إنتي… فرّقتي بيني وبين مراتي… وخبيتي عني ولادي؟!”
ليلى بكت: “كنت فاكرة إني بعمل الصح… كنت خايفة تضيع مستقبلك…”
“مستقبلي؟!” صرخ، “إنتي دمّرته!”
سكتت… مفيش رد.
كريم بص لها… وكل حاجة جواه بتتكسر:
“أنا عشت خمس سنين فاكر إني مش هبقى أب… وهي كانت بتربي ولادي لوحدها…”
صوته اتكسر لأول مرة:
“لوحدها يا ماما…”
ليلى حاولت تمسك إيده: “سامحني…”
كريم سحب إيده بسرعة.
“أنا مش عارف أسامح نفسي أصلاً.”
لف ناحية الباب… بس وقف قبل ما يخرج.
ومن غير ما يبصلها، قال:
“أنا رايح لولادي.”
وخرج.
خطواته سريعة… قلبه بيدق… الدنيا حواليه مش واضحة.
أول ما وصل للمكان اللي سايبهم فيه…
شاف ندى.
قاعدة على كرسي… والولدين في حضنها، واحد نايم والتاني بيحكيلها حاجة.
ضحكت.
الضحكة دي… كانت كفيلة تكسره أكتر.
وقف قدامهم.
ندى رفعت عينيها… وشافت كل حاجة في وشه.
عرفت.
من غير ما يقول.
“عرفت؟” سألت بهدوء.
كريم هز راسه… وعينيه على الولاد:
“دول… كل حياتي اللي ضاعت.”
ندى ردت بهدوء مؤلم: “لا… دول حياتك اللي لسه قدامك.”
بص لها… لأول مرة من سنين… من غير كبرياء… من غير مسافات:
“ممكن… تسمحيلي أكون جزء منها؟”
الولد الصغير صحي، وبص لكريم…
وقال ببساطة:
“إنت هتقعد معانا؟”
كريم حس دموعه هتنزل.
ركع قدامهم ببطء…
وقال بصوت مكسور بس صادق:
“لو مامتكم سمحتلي… هافضل.”
ندى بصت له… وسكتت.
والقرار… كان لسه في إيدها.