كل يوم وانا نازله حكايات زيزي
وتواريخ.
لكن في الصفحة الأخيرة، كان فيه اسم شركة ما شفتوش قبل كده نورثفيلد للتطوير العقاري.
دانيال أخذ الدفتر، وراجع التاريخ.
قال
الشركة دي اسمها موجود في المستندات القديمة اللي لقيناها في البيت. لازم نعرف علاقتها بالاتفاق.
سألته
هي اللي كانت عايزة تشتري البيت؟
رد
ممكن تكون هي، لكن مش هأكد قبل ما نراجع السجلات.
وبينما كان بيقلب الصفحات، وقع من الدفتر ظرف أبيض رفيع.
كان مكتوبًا عليه بخط أمي
للمراجعة فقط لا يُعتمد عليه قبل مطابقة الأرقام.
فتح دانيال الظرف، ولقى جواه نسخة مصورة من جدول مالي، وعلى هامشه ملاحظات بخط إيد أمي.
قرأ الأرقام، وبعدها سكت.
قلت له بقلق
فيه إيه؟
قال
الجدول ده بيشير إن جزءًا من التمويل كان مخصصًا لترميم البيت، لكن فيه مبلغ تاني اتسجل تحت بند مختلف. محتاجين نعرف إذا كان ده تحويلًا مشروعًا ولا مجرد تصنيف محاسبي.
إيلين بصت للجدول وقالت
نادية كانت دقيقة جدًا في الحسابات. لو كتبت ملاحظة بالشكل ده، يبقى كان عندها سبب يخليها تطلب المراجعة.
في أسفل الصفحة، كانت أمي كاتبة
اطلبوا كشف الحساب الأصلي من البنك قبل اعتماد التسوية.
دانيال قال إننا هنحتاج نعرف الجهة اللي كانت مسؤولة عن الحسابات، وهل فيه سجلات ما زالت محفوظة.
وقبل ما نقفل الدفتر، لقيت ورقة صغيرة مدسوسة بين الصفحات، مكتوب عليها رقم تليفون قديم، وبجانبه اسم
مارغريت ويلز مسؤولة الحسابات.
أبويا، اللي كان واقف عند الباب، اتغيرت ملامحه بمجرد ما شاف الاسم.
سألته
إنت تعرفها؟
رد بعد تردد
أيوه. مارغريت كانت مسؤولة عن الحسابات في المشروع، وكانت آخر شخص راجع الأرقام مع أمك قبل الاجتماع.
دانيال سأله
هل تعرف إذا كانت لسه عايشة؟
أبويا قال
ما أعرفش. لكن فاكر إنها سابت الشغل فجأة بعد ۏفاة نادية.
بصيت للورقة مرة تانية، وبدأت أفهم إن كل شخص كان له دور في المشروع اختفى من الصورة في وقت مختلف.
المحامي القديم ماټ، وسامويل اختفى، ومارغريت سابت شغلها، وديفيد ماټ قبل ما يوضح كل اللي عرفه.
لكن هل كل ده مجرد ظروف منفصلة، ولا فيه سبب واحد ورا اختفاء المستندات؟
دانيال طوى الورقة وحطها في الملف.
هنبدأ بالبحث عن مارغريت. لو عندها سجلات أو مراسلات قديمة، ممكن تساعدنا نفهم الأرقام.
خرجنا من المبنى، وأنا حاسة إننا أخيرًا قربنا من الحقيقة.
لكن قبل ما أركب العربية، رن تليفون أبويا.
رد، وفضل ساكت وهو بيسمع الطرف التاني.
وبعدين قال
إنت متأكد من الكلام ده؟
سكت مرة تانية، وبعدها قفل المكالمة.
بصيت له.
مين؟
رد بصوت منخفض
كان فيه حد بيحاول يوصل لي من الصبح. دلوقتي اتصل من رقم تاني، وقال إنه يعرف مكان مارغريت.
دانيال سأله فورًا
مين الشخص اللي اتصل؟
أبويا بص لنا، وقال
ما قالش اسمه. لكنه طلب نقابلُه بكرة، ومعانا نسخة من الاتفاق الأصلي.
قلت بقلق
وليه نثق في حد رافض يقول اسمه؟
دانيال رد بحسم
مش هنقابله قبل ما نعرف هويته ونتأكد من
كلامه. مش هنسلّم أي مستندات لشخص مجهول.
أبويا أومأ موافقًا، لكن قبل ما نمشي، وصلته رسالة نصية من الرقم نفسه.
فتحها، وقراها بصوت مسموع
لو عايزين تعرفوا ليه نادية ما كملتش المشروع، اسألوا مارغريت عن آخر دفعة اتسجلت قبل الاجتماع. والأهم… ما تعتمدوش على النسخة اللي معاكم.
بصيت للملف اللي في إيد دانيال.
لو النسخة اللي معانا مش كاملة، فهل أمي كانت عارفة إن فيه مستند أهم منها؟ ومين الشخص اللي ظهر فجأة، وعنده معلومات ما يعرفهاش غير القريبين من المشروع؟
والسؤال اللي خوّفني أكتر من كل ده…
إيه اللي حصل فعلًا في آخر يوم اشتغلت فيه أمي على حلمها؟
يتبع…
النهاية الحقيقة اللي أمي سابتها ليا بعد كل السنين دي
طول الليل، ما قدرتش أنام.
رسالة الشخص المجهول كانت بتتكرر في دماغي ما تعتمدوش على النسخة اللي معاكم.
كنت حاسة إننا قربنا من الحقيقة، لكن كل ما نمسك طرف الخيط، نكتشف إن فيه جزء تاني مستخبي.
تاني يوم الصبح، دانيال قدر يتأكد من هوية الشخص اللي اتصل بأبويا. اسمه مايكل هاريس، وكان موظفًا سابقًا في مكتب المحامي اللي تولى قضية البيت زمان.
وافق يقابلنا في مكتب دانيال، بشرط إن المقابلة تتم بحضور محامٍ، ومن غير تسليم أي مستندات أصلية.
لما دخل مايكل، كان في أواخر الستينات، وشايل حقيبة جلد قديمة.
قعد قدامنا، وطلع منها ملفًا سميكًا.
وقال
أنا فضلت ساكت سنين طويلة، مش لأني كنت عارف مين المذنب، لكن لأني ما كنتش عايز أتهم حد من غير دليل. دلوقتي، بعد ما عرفت إنكم بتراجعوا أوراق نادية، قررت أساعدكم.
دانيال سأله
إيه اللي عندك؟
فتح مايكل الملف، وطلع منه محضر اجتماع قديم، وكشف حساب، ونسخة من الاتفاق عليها توقيعات الأطراف.
قال
دي النسخة اللي كانت محفوظة في أرشيف المكتب. وفيها صفحة مش موجودة في النسخة اللي معاكم.
قلب دانيال الصفحات بسرعة، وبعدها توقف عند البند المالي.
كانت الحقيقة واضحة بعد مراجعة المستندات مع بعضها المبلغ اللي أثار الشكوك كان جزءًا من تسوية مالية مرتبطة بتمويل المشروع، مش دليلًا على سړقة أو اختلاس. لكن طريقة تسجيله في بعض النسخ كانت ناقصة، وده اللي خلّى الناس تشك في بعض وتختلف على حقوق الملكية.
أما الصفحة الناقصة، فكانت بتوضح إن بيع البيت ما ينفعش يتم باعتباره تسوية عادية للتمويل؛ كان لازم تتراجع شروط الاتفاق ويتوافق عليها أصحاب الحقوق المعنيون.
سألت مايكل
طيب، ليه كل ده ما اتوضحش وقتها؟
رد بحزن
لأن نادية ټوفيت قبل ما تكتمل المراجعة، وبعدها الملف اتنقل بين أكتر من مكتب. بعض المستندات اتجمعت في الأرشيف، وبعضها فضل مع الأطراف المختلفة. ومع مرور السنين، الناس بدأت تعتمد على نسخ ناقصة.
دانيال راجع التوقيعات والتواريخ، وبعدها قال
إحنا محتاجين نتحقق من المستندات رسميًا، لكن دلوقتي عندنا أساس واضح نقدر نبدأ منه.
وبعد ما خلص الاجتماع، اتفق دانيال مع الجهات المختصة على مراجعة سجل الملكية والالتزامات القديمة.
وبعد أسابيع من المراجعة، وصلنا للنتيجة اللي كنا مستنيينها.
ملكية البيت كانت مسجلة باسم أمي، وما كانش فيه ما يثبت إن الشركة تملك حق الاستيلاء عليه. أما أي التزامات مالية قديمة، فتم التعامل معاها وفق المستندات المثبتة، بعد ما اتضح إن جزءًا كبيرًا من الخلاف كان سببه نقص الأوراق وعدم اكتمال التسوية في الملفات القديمة.
لكن لسه كان فيه سؤال واحد شاغلني ليه أمي أصرت تسيب لي كل الأدلة دي؟
الإجابة كانت في آخر صفحة من دفترها.
رجعت للبيت القديم لوحدي، ودخلت المكتبة اللي كانت بتحب تقعد فيها.
فتحت الدفتر، وقرأت آخر رسالة بخطها
بنتي سارة،
لو وصلتي للصفحة دي، يبقى إنتِ قدرتي تكملي الطريق اللي أنا ما لحقتش أكمله.
أنا ما كنتش عايزاكي تحاربي حد، ولا تثبتي إن حد غلطان. كنت عايزاكي تعرفي إن الحق محتاج صبر، وإن الخۏف من المشاكل ما ينفعش يخلينا نتنازل عن الحاجة اللي بنؤمن بيها.
البيت ده كان حلمي، لكن الحلم عمره ما كان في الحيطان ولا الأرض.
الحلم كان في كل أم محتاجة حد يسمعها، وكل طفل محتاج فرصة يعيش حياة أهدى وأأمن.
لو قررتي تكملي المشروع، كمليه لأنك مقتنعة بيه، مش لأنك حاسة إنك مجبرة تنفذي وصيتي.
ولو اخترتي طريق تاني، مش هكون زعلانة منك.
المهم ما تخليش الأسرار اللي اتخبّت عنك تمنعك من إنك تعيشي حياتك بحرية.
خلصت الرسالة، وحسيت بدموعي بتنزل.
لأول مرة، فهمت إن أمي ما كانتش بتحاول تورثني مشكلة قديمة؛ كانت بتحاول تسيب لي الاختيار.
بعد كده، اتكلمت مع أبويا