سر المزرعه
ماسك عصاية عم عبد الله، أقدم عامل في المزرعة، اللي ربّاه وهو صغير.
قعد جنبه من غير ما يتكلم لدقايق، وبعدين مد إيده المجعدة، وطلع من جيب جلابيته ظرف قديم.
أبوك سلّمهولي قبل ما يمشي بأسبوع يا سيف.. وقالي لما ابني يرجع، سلّمه ده بإيدك. مش قبل.
سيف فتح الظرف بإيد بتترعش.
كان فيه ورقتين.
الأولى عقد هبة رسمي ومسجل في الشهر العقاري، بتاريخ قبل ۏفاة أبوه بأسبوع، بيكتب فيه الأرض كلها بإسم ليلى سيف المنشاوي، حفيدته، وسارة وصية عليها.
والتانية جواب بخط أبوه، حروفه ضعيفة ومرتعشة
يا سيف.. أنا ظلمتك وظلمت سارة، وفضلت سنين أقنع نفسي إني كنت بحميك. اكتشفت متأخر إن اللي كان بيحرك أخويا حمدي مكانش حرصه علينا، كان طمعه في الأرض. حاولت أصلّح اللي بوظته، وده آخر اللي أقدر أعمله. سامحني.. وخلي بالك من بنتك.
سيف قفل الجواب، وحس بدموعه نازلة من غير ما يحاول يمنعها.
عم عبد الله ربّت على كتفه وقال
أبوك كان راجل صعب يا ابني.. بس آخر أيامه كان بيصحى كل ليلة ويفتكر البنت الصغيرة اللي ما سمحش لها تدخل بيته.
الفصل السادس لحظة الحقيقة
تاني يوم، وصل الأستاذ طارق، وقدّم الأوراق للمحكمة بنفسه.
وبعدها بأيام، اتحدد ميعاد أمام لجنة الفحص، وحضر فيها حمدي ومحاميه.
الأستاذ طارق وقف وقال بهدوء
سيادة المستشار، العقد اللي بيستند له الأستاذ حمدي مؤرخ بعد عقد الهبة المسجل بأسبوعين. يعني وقت ما اتعمل العقد ده، كانت الأرض أصلاً مش ملك البائع. وده غير فرق واضح في التوقيع، والمرحوم وقتها كان طريح الفراش ومش قادر يمسك قلم.
حمدي حاول يتكلم، بس صوته خانه.
محاميه مسح عرقه وبص في الورق بارتباك.
ولما القاضي رفع عينه وقال بحزم إن العقد باطل وإن الموضوع هيتحال للتحقيق، حمدي وقف مكانه من غير حركة، وكأن الأرض اللي كان فاكرها هتبقى له خرجت من تحت رجليه.
سيف مبصش له.
بص بس ناحية سارة اللي كانت قاعدة في آخر القاعة، ماسكة إيد ليلى، وعينيها مليانة دموع مختلطة بين ارتياح ودهشة.
الفصل السابع الأرض اللي رجعت لأصحابها
بعد الحكم بكام يوم، رجع سيف للمزرعة.
لقى سارة قاعدة على السلم الحجر قدام بيت العمال القديم، وليلى نايمة على رجليها.
قعد جنبها بهدوء، ومكانش عارف يبدأ منين.
الجوابات.. وصلتلي كلها يا سارة. اتأخروا خمس سنين.. بس وصلوا.
سارة ما بصتلهوش، بس قالت بصوت واطي
كنت فاكراك اخترت تسيبنا.
عمري ما كنت هسيبكم لو عرفت.
سكتت شوية، وبعدين قالت
أنا مش هقدر أنسى بسهولة يا سيف.. ولا هقدر أديك كل حاجة بسرعة.
مش مستعجل. أنا هنا، ومش ماشي.
رفعت عينيها له لأول مرة، وفيهم مزيج من ۏجع قديم وأمل صغير.
وفي اللحظة دي، ليلى فتحت عينيها وبصتله بنص عين
إنت لسه هنا؟
آه.
هتتعلم تزرع؟
ضحك سيف، ومسح دموعه بكم قميصه
هتعلّمني؟
قامت ليلى مرة واحدة، وشدته من إيده ناحية حتة فاضية في طرف الأرض، ومدّت له كيس
صغير
ده بذر.. هنزرعه إنت وأنا وماما.
ركع سيف على الأرض، وحفر الطين بإيديه. وسارة وقفت على بعد خطوات تبص له، وعلى وشها ابتسامة صغيرة ما كانتش ظاهرة من سنين.
ولأول مرة من 12 سنة، المزرعة رجعت تسمع ضحك.
والأرض اللي كان ناوي يبيعها عشان يهرب منها.. هي اللي رجّعته لبيته.
النهاية