كانت مجرد عامله نظافه
وكان هناك شيء غريب في تلك الغرفة. سألته بحذر
هل تمضي معظم يومك هنا
أجاب
تقريبا. أعمل في المكتب صباحا لكنني أعود سريعا. هذا المكان الوحيد الذي أستطيع أن أرتاح فيه. جالت عيناها في الغرفة. كانت واسعة وفاخرة لكنها مظلمة النوافذ مغلقة الستائر ثقيلة ورائحة رطوبة لا تختفي.
قالت
هل تسمح لي بفتح النافذة
أومأ برأسه. فتحتها فانسكب ضوء الشمس ودخل الهواء النقي وبدد شيئا من الثقل. في الأيام التالية بدأت صوفيا تلاحظ نمطا مقلقا. عندما يقضي ناثان وقتا في المكتب أو في الحديقة تتحسن حالته قليلا.
يخف السعال ويعود بعض اللون إلى وجهه. لكن ما إن يعود إلى الجناح الرئيسي حتى تعود الحمى والإرهاق بقوة. في أحد الأيام وجدته جالسا في مكتبه متماسكا على غير العادة. قال مبتسما
أشعر أنني أفضل اليوم. قالت بهدوء
أين قضيت الصباح
أجاب
هنا في المكتب. لا صداع لا أزمة سعال. لم تجب. كانت تحتاج إلى دليل. في تلك الليلة عادت صوفيا إلى الجناح الرئيسي بخطوات بطيئة كأن الأرض تحت قدميها لم تعد مألوفة. كان القصر غارقا في سكون ثقيل لا يقطعه سوى صوت ساعة بعيدة وعدة أنفاس متقطعة تصدر من خلف الباب المغلق.
دفعت الباب برفق شديد وكأنها تخشى أن توقظ المكان نفسه لا ناثان فقط. كان ناثان نائما مستلقيا على جانبه مواجها للجدار ذاته. بدا جسده ساكنا هشا كما لو أن المرض قد استقر فيه منذ زمن طويل ولم يعد ينوي الرحيل.
اقتربت صوفيا ببطء وانحنت عند الزاوية التي لاحظت فيها البقعة أول مرة. كلما اقتربت ازدادت الرائحة حدة رائحة خانقة ثقيلة تتسلل إلى الصدر وتترك أثرا لزجا في الحلق. مدت يدها بحذر ولمست الحائط. كان رطبا أبرد من بقية الجدار وكأن الرطوبة تعيش فيه ككائن خفي يتغذى بصمت.
أدركت في تلك اللحظة أن الأمر لم يعد شكا أو حدسا عابرا. العفن كان متغلغلا خفيا يعمل ببطء لكنه يعمل بلا رحمة. ارتجف قلبها.
تراجعت خطوة إلى الخلف وراحت الأفكار تتزاحم في رأسها.
هل تتكلم
هل تجرؤ
هي مجرد عاملة تنظيف. لا شهادة طبية لا منصب لا سلطة.
ماذا لو اتهمها بالمبالغة ماذا لو ظن أنها تتدخل فيما لا يعنيها ماذا لو خسرت عملها
لكنها نظرت إليه مجددا. إلى جسده المنهك إلى أنفاسه المتعبة إلى ذلك الشحوب الذي لم يفارقه منذ عرفته.
عندها تردد صوت جدتها في ذاكرتها بوضوح مؤلم
العفن الذي لا يرى يقتل بصمت.